من ربط العلم بالعمل عن طريق الكون مع الصادقين كما يمكّن من ربط العقل بالغيب عن طريق الأخذ بالمقاصد ، ذلك أن هذين الطريقين : " الكون مع الصادقين " و " الأخذ بالمقاصد " يولّدان في نفس المتخلّق فاعلية تعيد إليه تكامله المادي الروحي ، فينهض إلى تطهير نفسه من الطبقات العقلية والعلمية الموروثة عن النمط المعرفي المتداول كما تعيد إليه رسوخ وحدة النظر والعمل ، فينهض إلى تجديد المعرفة تجديدا يزداد فيه عملا بعلمه وكمالا بعقله ، فيكون علمه نافعا وعقله كاملا .
لقد أنهينا الكلام في أزمتين شديدتين اعترتا نمط المعرفة في الحضارة الغربية الحديثة ، وهما : أزمة الصدق الناتجة عن فصل العلم عن الأخلاق وأزمة القصد الناتجة عن فصل العقل عن الغيب ، هاتان الأزمتان اللتان تجعلان من هذه الحضارة ، على الرغم من أخذها بمبادئ منهجية تبدو في ظاهرها ناجعة ، حضارة متأزمة ؛ فلننعطف في الفصل الموالي على بيان كيف أن هذه الحضارة الحديثة لا تسعي إلى التسلط على الطبيعة الخارجية فقط ، جالبة لها من الضرر ما ليس في الحسبان ، بل إنها أيضا تتسلط على الطبيعة الإنسانية نفسها ، مغيّرة خلقها وخلقها .
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 112
مساهمون: طه عبد الرحمن
ص١١٢