ناتجة عن شعور بمناسبة بينه وبين هذا النموذج تمتزج بمشاعر المحبة ، ومعلوم أن المحبة لا تنتزع بالقهر أو تكتسب بالتقليد .
والثاني ، أن ما يقصد المتشبه التشبه به ليس ظاهر هذا النموذج وأحواله الخارجية ، وإنما ، على الأصح ، المعاني التي يحملها في باطنه والتي تظهر آثارها على جوارحه ، أي أنه يقصد التشبه بالحياة الروحية لهذا المخلّق ، ولا يخفى أن الروح مجلى حرية الإنسان ومنشأ انطلاقه وابتكاره في عالم المعنى .
ومتى عرفنا أن معنى الإشارة يدرك بطريق المشاهدة ويؤخذ بطريق الاقتداء ، عرفنا كذلك أن الإشارة تقوم بشرط القصد من جهة غايتها ، ذلك أن المشاهدة تستند إلى الحضور ، وغاية الحضور إنما هي " تمديد القصد " ، كما عرفنا أن الاقتداء يستند إلى التعظيم ، وغاية التعظيم إنما هي " تشديد القصد " ؛ وحينئذ ، لا غرو أن يجري استعمال لفظ " الإشارة " في معنى " الحكمة " ، حتى نزلت منزلتها ، كما لا غرو أن يختص لفظ " التدبر " و " الاعتبار " بالدلالة على هذا المعنى الحكمي ( بكسر الحاء ) ، فالتدبر هو ما كان من النظر متجها إلى إدراك الغايات والمآلات ، والاعتبار هو ما كان من النظر محققا للعبور من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المقصدية .
3 - فائدة التخليق المؤيّد في تجديد النمط المعرفي الحديث
لقد اتضح لنا أن القدوة - أو المخلّق - متحقق بالصدق في مطابقة قوله لفعله ، طبيعة وأصلا وغاية ، كما اتضح لنا أن الإشارة مقترنة بالقصد ، من حيث طبيعتها المعنوية وأصلها التجربي وغايتها الحكمية ( بكسر الحاء ) ؛ ولما كان الصدق هو المخرج من آفة الانفصال بين العلم والأخلاق وكان القصد هو المخرج من آفة الانفصال بين العقل والغيب ، لزم أن يكون التخليق المؤيّد « 12 » - الذي هو ، على ما تقدم ، التربية على الصدق عن طريق الكون مع الصادقين وعلى القصد عن طريق
هامش
( 12 ) يبدو أن اللفظ القرآني المقابل لمصطلح " التخليق المؤيّد " هو " التزكية " كما ورد في آيات كريمات متعددة ، نذكر منها الآية :" قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها " ،الشمس ، 9 - 10 ؛ والآية :" هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى " ،النازعات ، 18 - 19 ؛ وأخيرا الآية :" رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " ،البقرة 129 ؛ وكذلك اللفظ القرآني : " التطهير " يحمل نفس المعنى كما جاء في الآيتين الكريمتين ، إحداهما هي :" خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها " ،التوبة ، 103 ؛ والثانية هي :" ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ " ،البقرة ، 133 .