النظر بالعمل اتحادا ؛ فلما كان الفصل بينهما أثرا من آثار الترسبات المعرفية التي يتولى التخليق المؤيّد إزالتها ، فإن المتخلّق ، بمداومته على الأعمال الشرعية والاستزادة منها ، يتجه تدريجيا إلى الجمع بين هذين الطرفين ، بل إلى تحقيق تمام الاتحاد بينهما ، فينظر بقوالب العمل كما يعمل بمقولات النظر ، ويرجع إلى هذا الاتحاد رجوعه إلى وصف راسخ فيه رسوخ الطبائع ؛ وما صار كالوصف الراسخ لا يتصرف صاحبه إلا على وفقه .
وما أن يتحقق المقتدي باتحاد النظر والعمل ، حتى ينفتح له باب تحصيل القدرة على التجديد ؛ فإذا اهتدى هذا المتخلّق إلى التحرر من صنوف التبعيات للطبقات المعرفية المتوارثة ، وصارت أسباب المعرفة المتكاملة داخلية ومغروزة في شعوره وفي فهمه ، كان أقدر على التوسل بهذه الأسباب لإنشاء معرفة مغايرة لطبيعة النمط المعرفي المتداول ، معرفة تصل ، على خلاف هذا النمط ، العلم بالأخلاق والعقل بالغيب وصلا حقيقيا ، فيجتمع له نفع العلم وكمال العقل ؛ فكل علم نافع لا بد وأن يخرج عن " مبدأ الموضوعية الجامدة " و " مبدأ التساهل المسيّب " اللذين أخذ بهما النمط المعرفي الحديث بموجب فصله العلم عن الأخلاق ؛ فلا موضوع علمي يستقل عن آثار الذات الإنسانية ، ولا مضمون معرفي يخلو من تأثير القيم السلوكية ، فيكون العلم النافع آخذا بموضوعية حركة وبتساهل موجّه ؛ وكل عقل كامل لا بد وأن يخرج عن " مبدأ السببية الجامدة " و " مبدأ الآلية المسيّبة " اللذين أخذ بهما النمط المعرفي الحديث بموجب فصله العقل عن الغيب ؛ فلا سبب عقلي بغير إمكان تركه إلى غيره ، ولا ظاهر مادي بغير قصد باطني ، فيكون العقل الكامل آخذا بسببية حركة وبآلية موجّهة .
والقول الجامع أن النمط المعرفي الحديث غير مناسب إن لم يكن غير صالح للتوسل به في بناء معرفة إسلامية حقيقية ، لأن مناهجه العقلية ونتائجه العلمية تنبني على أصلين : أحدهما فصل العلم عن الأخلاق ، ويتفرع عليه مبدأ الموضوعية الجامدة ومبدأ التساهل المسيّب ؛ والثاني فصل العقل عن الغيب ، ويتفرع عليه مبدأ السببية الجامدة ومبدأ الآلية المسيبة ؛ لذا ، يحتاج المتخلّق إلى الدخول في تخليق يمده بنمط معرفي بديل محفوظ من هاتين الآفتين : آفة الانقطاع عن الأخلاق وآفة الانقطاع عن الغيب ؛ ولا تخليق أوفى بهذا الغرض من التخليق المؤيّد ، إذ يمكّن
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 111
مساهمون: طه عبد الرحمن
ص١١١