تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
ولا اقتران داخلي للقول العباري إلا بالموعظة ؛ وشتان بين القول الوعظي والقول الحكمي « 11 » ( بكسر الحاء ) ، فالأول لا تلازم بينه وبين العمل ، فقد يدرك " الموعوظ " المضمون المجرد للموعظة ولا ينتهض مع ذلك إلى العمل ، إعراضا عنه أو جهلا بكيفية العمل به التي لا تنفع فيها الشهادة والحكاية ، بينما يكون التلازم قائما بين جانب الحكمة وجانب العمل ، إذ لا إدراك لمضمون الحكمة إلا من خلال فعلين اثنين هما : " المشاهدة " و " المحاكاة " - أو قل التشبّه . 2 . 2 . 3 . 1 . الحكمة والمشاهدة : لا ينفذ إلى حكمة الإشارة من تجردت مداركه من صبغة العمل ، لأن قصارى هذا التجرد أن يوقفه على أوصاف الأشياء وعللها الظاهرة وأن لا يتعدى به إلى إدراك مقاصدها الخفية ؛ أما التغلغل في العمل ، فمن شأنه أن يخرج صاحبه من التجريد النظري لما يدرك ، مزوّدا له بالقدرة على الحضور بقلبه فيما يدرك ، كما أن من شأنه أن يفتح مداركه فتحا على ما وراء الأسباب الظاهرة ، مزوّدا له بالشعور الحي بدلالاتها البعيدة ، فتنزل بذلك هذه المدركات والظواهر من نفسه منزلة " الآيات " ؛ وعندما يصير المدرك ( بفتح الراء ) آية ويصير الإدراك حضورا وشعورا ، فإن المدرك ( بكسر الراء ) يصير متحققا بالمشاهدة ؛ " فالمشاهد " ( بكسر الهاء ) هو من كان نافذا إلى المعنى من جهة استهلاكه في العمل ، على خلاف " الشاهد " الذي يكون واقفا دون المعنى لتجرده عن العمل ؛ وليست الحكمة إلا المعنى الذي تثمره المشاهدة ، على خلاف " الخبر " الذي هو المدلول الذي تنتجه الشهادة . 2 . 2 . 3 . 2 . الحكمة والتشبّه : لا يكاد المتخلّق يشاهد الحكمة في قول القائل حتى تنبعث من نفسه داعية الأخذ بها والأخذ عن صاحبها عن طريق التشبه بأفعاله وأحواله والاقتداء به ، وذلك لحصول التعظيم عنده في بالغ نفعها وفي جلال قدر الناطق بها ؛ وليس في هذا التشبه ما يدعو إطلاقا إلى الاعتقاد بأن المتشبه واقع لا محالة في المحاكاة الآلية وفقدان حرية الإرادة ، وذلك للسببين الآتيين : أحدهما ، أن من يتشبه بصاحب الحكمة التي يشاهدها يصدر عن مبادرة عفوية
هامش
( 11 ) تدبر الآية الكريمة :" ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " ،النحل 162 ؛ لقد استشهد بعضهم بهذه الآية في سياق تمييز مراتب ثلاث للدعوة : " الحكمة " ، وهي أعلى رتبة ، ثم " الموعظة " ، وهي دونها ، ف " المجادلة الحسنة " ، وهي دون الأخريين .
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 108 | طه عبد الرحمن