لوّحت به العبارة ، لأن دلالتها المقصودة مطوية فيما يمكن أن تحمل عليه من المعنى لو ألقى هو بها إلى غيره ، منطلقا من مرتبته ؛ ومن كان في منزلة من المعرفة أدنى ، أو كانت تجربته الخلقية أنقص ، لم يفته أن يدرك أن ما تشير إليه العبارة أبعد في الدلالة وألطف في المعنى من الوجه الذي يمكن أن يدل هو به عليها وإن فاتته مكابدة إشارتها المقصودة ؛ ومن كان في تجربة خلقية وارتقى إلى تجربة خلقية فوقها ، علم أن العبارة حمالة لوجوه ، أقربها إلى الحقيقة الوجه الذي هو ألطف وأنسب .
فلو لا شعور المتخلّق المؤيّد بضرورة التلازم بين المقال والحال ، لما عمد إلى تلوين عبارته وتلوين فهمه لعبارة غيره تلوّن تجربته ومعرفته ؛ فلما كان التخلق في هذه الرتبة غير مقيم على حال وكان يتزايد في الترقي بتزايد العمل ، لم يجد المتخلّق حرجا في تصحيح فهمه والاستمرار على حمل العبارة على معان متفاوتة من غير أن يكون هذا التفاوت مضرا بالتواصل ، ولا مخلا بالتعاقل « 9 » .
ومتى كانت الإشارة متعلقة بتجربة وجودية وجدانية متميزة بالتقلب في معانيها ومتعددة في صيغها التعبيرية ، فقد دل ذلك على أن الإشارة تستوفي شرط القصد من جهة أصلها التجربي ؛ فالتقلب في المعنى يفيد " تجديد القصد " الذي يقتضيه استئناف العمل ، والتعدد في التعبير يفيد " تعديد القصد " الذي يقتضيه الترقي في درجات المعنى .
3 . 2 . 2 . الغاية القاصدة للإشارة : أما عن غاية القول الإشاري ، فإذا كان القول العباري « 10 » لا يشترط بالضرورة التعلق بحكمة معينة ، فإن مقتضى " الإشارة " أن تقترن اقترانا داخليا بها ، بحيث ينصرف عنها المدلول الذي وضع له لفظها في الأصل ، ولا يبقى إلا المدلول الحكمي ( بكسر الحاء ) وحده .
أما القول العباري ، فإذا اقترن بالحكمة ، فإن اقترانه بها لا يكون إلا على جهة خارجية بحيث تكون الحكمة المنوطة به معنى زائدا على المدلول المنقول بلفظه ،
هامش
( 9 ) نستعمل هنا فعل " تعاقل " ، لا بمعنى " تكلّف العقل " ، وإنما بمعنى " عقل الواحد من الآخر أو اشترك الواحد مع الآخر في عقل أمر ما " ، أي تعاونا على إدراكه .
( 10 ) نستعمل لفظ " العبارة " ، لا في معناه العام الذي يفيد مجرد " القول " ، وإنما في معناه الخاص الذي هو جانب المدلول الظاهر أو الحقيقي للقول في مقابل لفظ " الإشارة " الذي هو جانب المدلول الخفي والمجازي منه .