تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
ومتى ثبت أن الإشارة يدخل عليها العمل من كل جانب وأن صحة دلالتها تتوقف على طريق التواتر الحي ، تبين أن طبيعة التعبير الإشاري طبيعة معنوية قصدية ؛ فالعمل لا يكون عملا إلا بالقصد الذي يقترن به ، والتواتر لا يكون تواترا إلا بالحفاظ على قصد النموذج الأصلي ؛ ولا عجب عندئذ أن يختص المدلول الإشاري باسم " المعنى " ؛ فالمعنى ، لغة ، هو ما يعنى باللفظ ، أي ما يقصد به . 2 . 2 . 2 . الأصل القاصد للإشارة : أما عن أصل التعبير الإشاري ، فليس مدلول الإشارة مدلولا معنويا ، أي عمليا وتواتريا فحسب ، بل هو أيضا مدلول تجربي ؛ وتتميز التجربة التي يستند إليها هذا التعبير بكونها : * تجربة وجودية ، لا لغوية ، بمعنى أن التبليغ فيها لا يتم على الوجه الأكمل إلا بطريق المشاركة الفعلية - أو قل بطريق التحقق - والعلم بهذه المشاركة . * تجربة وجدانية ، لا نظرية مجردة ، بمعنى أنها شعور حي يجده صاحبه في قلبه . والدليل على الوصف الوجودي والوجداني للتجربة الإشارية أمران هما : " تقلب هذه التجربة " و " تعدد التعبير عنها " . 1 . 2 . 2 . 2 . تقلب التجربة : قد يكون التعبير الإشاري دالا على معنى قائم بالمتخلق عند الإلقاء بهذا التعبير إليه ، فيكون مطالبا ( بفتح اللام ) بالارتقاء من هذا المعنى ، أو يكون هذا التعبير دالا على معنى لم يقم به بعد ، فيكون مطالبا بجمع الهمة والتهيؤ بالعمل لاستقباله ؛ يترتب على هذه المطالبة أن المتخلق يأخذ في التقلب بين المعاني بحسب مستويات هذه المطالبة ، فإذا ما أدرك معنى مخصوصا في مستوى مخصوص من هذه المستويات ، لا يلبث أن يدركه بوجه آخر أو يدرك غيره بانتقاله إلى مستوى آخر ؛ ولما كان كل معنى مقرونا بطريقة معينة في الشعور أو في الفهم ، صار كل خبير بمعنى أحق أن يسلّم له به ، ويفزع إليه في فهمه . 2 . 2 . 2 . 2 . تعدد التعبير : لما كانت درجات أهل الأخلاق المؤيّدة في المعارف والأحوال متفاوتة ، كان كل منهم يعبّر عن مقدار معرفته وينطق بحسب حاله ، وكل هذا لا يحول دون تواصلهم وتفاهمهم وتبليغ مقاصدهم بعضهم لبعض ؛ فمن كان في نفس المرتبة من المعرفة أو كان له نفس النصيب من التجربة الخلقية ، لا يذهب عليه الوجه الذي تدل به العبارة التي ألقي بها إليه ؛ ومن كان في منزلة من المعرفة أعلى أو كان حظه من التجربة الخلقية أقوى ، كان أولى بأن لا يفوته إدراك ما