تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
التعبير المبلّغ يفيد أمرا ينبغي للمخاطب اتباعه أو إنجازه في ظرف سلوكي مخصوص يحدده مقام الكلام ؛ وإذا ثبت أن المعنى الإشاري يتوجه بالمتخلق إلى العمل ، ثبت أيضا أنه أصلا قيمة ؛ ومدلول القيمة هو ، كما سبق ، أنها الأمر الذي يستحق التعلق به والسلوك وفقه . وإذ ذاك لا نستغرب أن يتواجد المعنى الإشاري مع الدلالة الظاهرة للقول ، لأنه لا يضاهيها ، حتى يكون دلالة إضافية تتنازع معها المحل ، وإنما هو القيمة العملية التي تلابس الدلالة الظاهرة في سياق الكلام - مع العلم بأنه لا انفكاك للتعبير عن التوجيه ، والتوجيه هو بالذات مدلول المعنى ؛ وليس المعنى قيمة عملية فحسب ، بل هو أيضا قيمة مقرونة بالممارسة الحالية ، فالأقوال التي يلقي بها القدوة إلى المتخلق تنعكس فيها آثار هذه الممارسة الحية ، فيدرك المتخلق منها الوجوه التي توافق هذه الآثار وتواصل تزكيتها في نفسه ؛ ومما يزيد في إثبات أن القيمة - أو المعنى - لا تضاهي ظاهر التعبير كونها تتغير بتغيير مراتب هذه الممارسة ، فتظل الدلالة الظاهرة واحدة ، بينما تتعدد قيمها ؛ وليس في هذا التعدد القيمي ما يدعو إلى الظن بإغراق الظاهر في التأويل ولا بإخراج الباطن عن كل القيود اللغوية ، حتى وإن لم يكن بين الظاهر والقيمة أدنى تلازم منطقي . 2 . 2 . 1 . 2 . المعنى والانتقال بطريق التواتر الحي : تقوم حقيقة التواتر الحي في نقل الخبر عن القدوة عبر وسائط مختلفة تدل على نفس المقصود الذي دل عليه هذا المخلّق بوصفه أكثر الناس تحققا به ، - أي بوصفه نموذجا فيه - ، بحيث إن اتصال السند إلى القدوة يجعل فائدة الخبر متعلقة أصلا به ، لا بالقول المنقول عنه . ولما كان مرجعنا في فهم الخبر هو أساسا النموذج المنقول عنه وليست صيغة القول المنقولة ، جاز أن يحصل الاختلاف بين صيغة القول والمخبر به ( بفتح الباء ) ، من غير أن تنقطع هذه الصيغة عن الدلالة على المخبر به وأن تنبه عليه ، كالاختلاف الحاصل من تعدد الأقوال بتعدد الطرق التي نقل من جهتها المخبر به مع أنه مدلول واحد ، وكالتفاوت بين الوضع الاصطلاحي الأصلي للقول وبين المدلول المخبر به ، وهذا بالذات مقتضى القول الإشاري . وإذا جاز أن يدل القول المتواتر على حقيقة المخبر به ولو اختلفت الأشكال التي تم بها تبليغه - لأن المعوّل عليه هو خبرة النموذج بالمخبر به واتصال السند إليه - جاز أيضا أن يكون القول الإشاري مفيدا للمخبر به على تفاوته مع ظاهر هذا القول .