تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
المخلّق يقوم بشرط الصدق من جهة الأصل الذي أخذ منه هذه المطابقة ، ذلك أن المعاينة الحية تزوده بالصدق في بصره ، بينما يزوده التعلق بالدلالة العملية بالصدق في بصيرته . 2 . 1 . 3 . الغاية الصادقة لسلوك القدوة : أما عن غاية سلوك القدوة ، فإن هذا المخلّق ينقل مطابقة القول للفعل إلى الغير ، وينقلها إليه بطريق لا يقل التزاما بتجربة العمل الحي عن الطريق الذي أخذ بها هو هذه المطابقة عن غيره ؛ ويتجلى هذا الالتزام في أمرين اثنين ، هما : " الاجتهاد الحي " و " القبول المؤيد " ، وتوضيح ذلك كالآتي : 2 . 1 . 3 . 1 . الاجتهاد الحي : إذا لبست المعاني القدوة واتحدت بها جوارحه وتفاعلت بها أحواله ، تجددت مداركه العقلية والوجدانية وقامت بها أسباب الإنتاج والإبداع ؛ والذي يكون بهذا الوصف ، لا بد أن يكون اجتهاده من الداخل ، سواء من داخل الظرف الذي يحتضنه أو من داخل النص الذي يتأمله أو من داخلهما معا ؛ فأما الظرف ، فإن هذا المخلّق يأخذه من جوانبه الفاعلة والمنهضة إلى العمل ، ويتصرف فيه بمقدار فعالية هذه الجوانب وإنتاجيتها وبمقدار حاجته العملية منها ؛ وأما النص ، فيتناوله في دلالته التي تفتحه على أسباب تتعدى أسباب وروده والتي تجعله يحيا في قلوب العاملين به ؛ وأما اجتماع الظرف والنص ، فيتخير المخلّق وجوه تنزيل أحدهما على الآخر من جهة ما يختزنان من قوة عملية ، حتى ولو اقتضى الأمر إخراج الظرف عن أسبابه أو إخراج النص عن ظاهره ، إيمانا منه بأنه ليس كل ما جمد في الظرف لا يمكن تحريكه ، ولا كل ما سكت عنه ظاهر النص لا يمكن استنطاقه . ومتى كان القدوة يأخذ بالأسباب الحية الكامنة في الظروف والنصوص والباعثة على تجددها وعلى استمرار هذا التجدد ، كان أوفق وأكمل مجتهد وأحق من غيره بأن يقتدى به ويتخلّق على يديه . 2 . 1 . 3 . 2 . القبول المؤيّد : لما كانت المعاني قيما سامية مطلوبة ومثلا عليا محبوبة وكان القدوة متحققا ومتخلقا بها في جميع جهاته الظاهرة والباطنة ، انعكس عليه وصفها وقدرها ، فصار عند الناس مطلوبا ومحبوبا مثلها ؛ فإذا طلبوه ، فإنهم لا يطلبون فيه إلا المعاني التي تمثلت فيه خير تمثيل ، وتكون استجابته لهم بصرف شخصه الحسي ودواعيه البشرية عن هذه المعاني ؛ وإذا أحبوه ، فإنهم لا يحبون فيه
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 103 | طه عبد الرحمن