سند عملي متصل .
وليس غريبا ، إذ ذاك ، أن يتولى القدوات - أو أهل التخليق - تحرير أسانيدهم ورفعها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، حرصا منهم على بيان أصولهم العملية وتحقيق الوراثة السلوكية ، كما أنه ليس من الغريب أن يتحرى المقتدون بهم - أو أهل التخلّق - عمّن اتصل سنده بالنموذج الأكمل ، حرصا منهم على الأخذ ممن كان أكثر الناس تحققا بالمراقبة الفعلية لسلوك السلف وكان أكثرهم تخلقا بفوائد هذه المراقبة ؛ فلا اقتداء إلا لمن كان سلوكه ثمرة ملاحظة مباشرة ودائمة لأفعال نموذج حي ، لأن هذا النموذج ينقله بالسند المتصل إلى مراقبة سلوك الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم .
2 . 1 . 2 . 2 . التعلق بالدلالة العملية للنصوص : لما كان القدوة قد شد نفسه شدا إلى مراقبة السلوك النموذجي ، فإن كلية مداركه تكون قد اصطبغت بآثار هذه المراقبة الحية ، فيكون عندئذ فهمه للنصوص الأصلية مغايرا لفهم من لم يدخل قط في هذه المراقبة ، ويتجلى هذا الفهم المغاير في الأمرين التاليين :
أ . تحقق القدوة من الدلالة العملية للنصوص الأصلية : فكل معنى يأخذه القدوة من هذه النصوص الدينية لا ينزل عنده منزلة الفكرة المجردة التي تنتظر أن ينضاف إليها حسن النية وقوة العزيمة ومضاء الإرادة لتنتقل إلى مجال التطبيق الذي قد يبدّلها أو يحرّفها ، وإنما يكون عنده بمنزلة القيمة المعتبرة ؛ ومعلوم أن القيمة هي الأمر المعتقد الذي يستوجب من المعتقد أن يطلبه وأن يسعى إليه ويسلك وفقه .
ب . تلبّس القدوة بالقيم المأخوذة : لما كان استغراق القدوة في المراقبة الحية يفضي به إلى حمل مدلولات النصوص على معنى " القيم العملية " ، فإنه يبادر إلى تقمصها بحيث تشاهد جارية على أفعاله من غير تعمد ولا تعمل .
ويكفى هذان الأمران : " التحقق من الدلالات العملية للنصوص " و " التخلق بالقيم المأخوذة منها " ، لكي يجعلا القدوة قريبا من الأصول الدينية قرب عمل وحال ، لا قرب نظر ومقال ؛ ومتى حضر مع هذه الأصول بعقله العملي ، لا بالنظر المجرد ، كان أبصر الناس بأخبارها وأحكامها ، إذ يكون فهمه لها فهما بالحضرة ، لا فهما بالفكرة ؛ وشتان بين فهم مستنير بنور الاشتغال وفهم منقطع عن الاشتغال .
ومتى كان القدوة يأخذ تحققه بمطابقة الأقوال للأفعال بطريق المعاينة الحية لنموذج سالف وبطريق الوقوف على الدلالة العملية للنصوص الأصلية ، ظهر أن هذا
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 102
مساهمون: طه عبد الرحمن
ص١٠٢