وأما ما كان لهم من عمل صالح في الدنيا فقد عوضوا عليه فيها ، وقد أحبط الشرك صالح عملهم من حيث إن الشرك أكبر الكبائر لأنه كفر بأنعم اللّه ، ونكران النعمة عند المعتزلة كبيرة .
ولكن إذا جاز العوض للكفار في الدنيا عن صالح أعمالهم فهل يجوز للمؤمنين ذلك ؟ إن ما يفعله اللّه بالمؤمنين من الولاية والرضا فهو ثواب ، غير أن النظام قد ذهب إلى أن الثواب لا يكون إلا في الآخرة وأن ما يفعله اللّه سبحانه بالمؤمنين في الدنيا من المحبة والولاية ليس بثواب وإنما فعله بهم ليزدادوا إيمانا وليمتحنهم بالشكر عليه « 1 » .
وذهب الجاحظ إلى أن خلود الكفار في النار يكون بالنسبة للكافر المعاند ، وأما المبالغ في اجتهاده ولم يهتد ولم تلح له دلائل الحق فإنه معذور إذ كيف يكلف بما ليس في وسعه ويعذب بما لم يقع فيه تقصير من قبله « 2 » .
ولا يبدو أن أحدا من المعتزلة يشارك الجاحظ هذا الرأي الخطير ، لأن معرفة اللّه جملة عندهم تتم ضرورة بل إنها تتم في سن سابقة على التكليف فضلا عن أن النظر العقلي عندهم واجب على الإنسان العاقل المكلف وأول الواجبات العقلية معرفة اللّه ، بل إن العقل يصل إلى معرفة اللّه قبل ورود السمع ومن ثم فلا عذر للمشرك في شركه .
تلك هي نظرة المعتزلة إلى اليوم الآخر حسب أصلهم « الوعد والوعيد » تحكمها النظرة الأخلاقية البحتة بل إن الأخلاق وحدها هي التي تلقى الضوء على موقف المعتزلة إزاء كل المشكلات أو الموضوعات كفكرة الاستحقاق والتوبة والمحابطة وخلود الأشرار في النار ثم نظرتهم إلى الكفار .
ويتضح الاتجاه الأخلاقي الذي أملى على المعتزلة موقفهم إذا قورن باتجاه
هامش
( 1 ) الأشعري : مقالات الإسلاميين ج 1 ص 150 .
( 2 ) الإيجي : المواقف ، ص 378 .