تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
أساس أخلاقي إذ لا تصح التوبة عندهم عن ذنب مع الإصرار على قبيح آخر يعلمه التائب قبيحا أو يعتقده قبيحا ، إنه إذا ترك التائب القبيح لقبحه وأصر على قبيح آخر لم يكن تاركا القبيح المتروك من أجل قبحه وإنما لصارف آخر ومن ثم فلا تقبل التوبة عن ذنب بعد العجز عن مثله فلا توبة عن الكذب لمن أصيب بالخرص بعد كذبه « 1 » . ولما كان تشدد المعتزلة في نظرتهم إلى عفو اللّه قد لا يستقيم مع العقل الذي لا يمنع من جواز العفو عن المسىء فإن البصريين من المعتزلة قد خالفوا البغداديين في هذه المسألة إذ أجازوا العفو عقلا ولكنهم منعوه سمعا « 2 » . غير أن الإنسان غالبا ما ينتهى به الأجل وقد خلط عملا صالحا بآخر سيئا ، ورأى الجبائي وابنه في ذلك أن الزلات إنما تحبط ثواب الطاعات إذا أربت عليها ، وإن أربت الطاعات درأت السيئات وأحبطتها ، وليست العبرة بكم الطاعات والزلات وإنما إلى مقادير الأجور والأوزار ، فرب كبيرة واحدة يغلب وزرها أجر طاعات كثيرة العدد « 3 » ، وقد دل السمع على ذلك إذ يقول تعالى :
« لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى »
« 4 »
« لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ . . .
أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ »
« 5 » ، وفي الحديث إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب . فلا مبرر بعد ذلك لانتقادات الرازي حين يقول : إن القول بالإحباط يوجب فيمن جمع بين إحسان وإساءة أن يكون عند العقلاء بمنزلة من لم يحسن ولم يسئ وذلك عند التساوي ، أو بمنزلة من لم يحسن إن كان
هامش
( 1 ) البغدادي : الفرق بين الفرق ص 114 ( 2 ) القاضي عبد الجبار : وشرح أبى هاشم ( شرح الأصول الخمسة ) ص 677 . والرازي : نهاية العقول ج 1 ص 190 . ( 3 ) الجويني : الإرشاد ص 372 . ( 4 ) سورة البقرة : آية 264 . ( 5 ) سورة الحجرات : آية 2 .
الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 97 | أحمد محمود صبحي