المستحق على الإساءة هو الزائد ، أو بمنزلة من لم يسئ إن كان المستحق على إحسانه هو الزائد ، ولما كان ذلك معلوما بالضرورة فقد بطل القول بالمحابطة ، لأن الثواب عند المعتزلة إنما يستحق على سبيل التعظيم كما يستحق العقاب على سبيل الإهانة ويتعذر الجمع بينهما طالما أن الذام والمادح واحد هو اللّه والمذموم واحد هو الإنسان المكلف فضلا عن أن الوقت واحد هو يوم الحساب .
ولما كان الثواب والعقاب دائمين وكان الجمع بينهما محالا فاستحقاقهما معا يكون محالا ، ولا يقال يثاب تارة ويعاقب أخرى لأن المثاب يكون حال كونه مثابا خائفا من انقطاع الثواب وذلك يورث الحزن ، والمعاقب حال كونه معاقبا متوقعا لانقطاع العقاب وذلك فرح وسرور ، فلا يكون الثواب والعقاب حينئذ خالصين من الشوب « 1 » فمن الكبائر أو الفواحش ما يحبط لدى المعتزلة صالح الأعمال ، كما تحبط الردة سابق الإيمان ، وليس الشر بأهون من الشرك بل يذكر البغدادي عن المعتزلة أنهم يرون أن من فساق هذه الأمة من هو شر من اليهود والنصارى والمجوس والزنادقة « 2 » وإن كان ما ذكره البغدادي يجب أن يؤخذ بحذر لشدة تحامله عليهم فالذي لا شك فيه أن الأشرار يستوون مع المشركين عند المعتزلة في استحقاق الخلود في النار .
ولكن هل تمتد النظرة الأخلاقية إلى أعمال الإنسان واستحقاق الثواب أو العقاب عليها إلى صميم الاعتقاد ، أو بتعبير آخر ما موقف المعتزلة من المشركين وفيهم المفسدون وفيهم غير ذلك ؟
إن استحقاق الكفار الخلود في النار لا لكفرهم فحسب بل لجميع معاصيهم ولكونها كبائر فوجب أن يستحقوا بكل كبيرة دوام العقاب « 3 » .
هامش
( 1 ) الرازي : نهاية العقول ج 1 ص 196 .
( 2 ) البغدادي : الفرق بين الفرق - ص 173 .
( 3 ) الرازي : نهاية العقول ج 1 ص 200 .