ذلك للأمر - اتساقا مع نظريتهم في أن الشرع لا يحسن الفعل ولا يقبحه وإنما يدل على جهة الحسن أو القبح فيه - وإنما يحسن للعوض ، والعوض للبهيمة أنفع لها كما يختار تعالى للعبد التكليف الذي يوصله إلى درجة النفع بل إن ذلك النفع للبهيمة بالقدر الذي لو أدركته واطلعت على ما تستحقه من عوض لتمنت لأجله تكرار الذبح حالا بعد حال « 1 » ! فليس لأحد أن يشفق على البهيمة أو ينوح إذ تذبح إلا إن صح أن ينوح على نفسه إذ يكلف ، فإذا كانت الآخرة للمكلفين استحقاقا للثواب فهي لغير المكلفين استحقاق للعوض ، على أن ذلك لا يبيح لنا تعذيبها أو الإضرار بها لأن عوض ذلك ليس على اللّه وإنما وزره على الفاعل .
وعوض البهائم مقابل ما تلقاه من مضرة أو هي على حد تعبير أبى هاشم بمنزلة استرجاع المغصوب ، ولا يحسن من اللّه الآلام لغير المكلفين لأنه مالك لها يفعل بها كما يشاء ، إن كونه خالقا منعما لا يوجب كون الألم الواقع منه أو الذي أباحه حسنا من غير أن يتضمن العوض عليه ، وإلا لم يخل الفعل بذلك من كونه ظلما ، كذلك لا يقال إن إدامة العافية تفضل منه تعالى وليس الألم إلا قطع ما سبق أن تفضل به ومن ثم فلا حاجة إلى العوض ، لأن الألم ليس مجرد سلب اللذة ولا المرض مجرد انتفاء الصحة إنما ينطوى كلاهما على أمر زائد ، وإذا كان تفضلنا على عار بجلباب يرتديه يكون في استرداد الجلباب إيذاء له ، كذلك إذا فعل اللّه الآلام وأباحها فقد وجب عليه العوض ، لقد ورد في الحديث القدسي « من أخذت كريمتيه في الدنيا لم أرض له إلا الجنة » فبين سبحانه أن سلب العينين يوجب عوضا عظيما « 2 » .
ولا تتفق آراء المعتزلة في كيف يكون عوض البهائم في الآخرة ، هل تنال
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار : المغنى - اللطف ص 459 . يبدو أن ذلك قياسا على درجة الاستشهاد إذ لو أدرك الشهيد درجته لتمنى أن يبعث ثم يقتل ثم يبعث ثم يقتل - وبصرف النظر عن القياس فالنظرة الأخلاقية للحيوان واضحة .
( 2 ) المرجع السابق ص 446 .