تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
اخر شاركهم الرأي في خلود أهل الكبيرة في النار وإن لم يماثلهم وأعنى الخوارج ، فاتجاه هؤلاء يمليه التطرف في الدين فحسب وليس للأخلاق مدخل في ذلك بعكس المعتزلة . ولكن إذا كان اليوم الآخر للعوض والاستحقاق وإذا كان ذلك واجبا على اللّه جزاء ما لقى الإنسان في الدنيا من المشاق فضلا عن التكليف فما وضع غير المكلفين يوم الحساب وقد تحملوا المشاق ؟ إن النظرة الأخلاقية إلى اليوم الآخر فضلا عن أنها تتعلق بالمكلفين فحسب فإنها تصل بين الدار الآخرة وبين الحياة الدنيا صلة لا انفكاك فيها ، غير أن اتساق المذهب يقتضى أن تمتد هذه النظرة نفسها إلى غير المكلفين من أطفال وحيوانات ، وقد سبقت الإشارة إلى رأى المعتزلة في أن المحن والمصائب والآلام التي تلحق غير المكلفين إنما هي للطف أو للعوض أو للاثنين معا ، ذلك أن كل فعل للّه يجب ألا يتنافى مع عدله ، بل لا يكفى أن تكون جميع أفعاله تعالى غير متعارضة مع عدله وإنما يجب أن تكون كذلك صادرة بمقتضى عدله . فإذا كان يحسن من اللّه أن يكلف لأجل الثواب فكذلك يحسن منه أن يؤلم لأجل العوض ، ذلك ما ذهب إليه أبو علي الجبائي وذهب ابنه إلى أن ذلك يحسن للعوض والاعتبار ، على أن العوض ليس علّة في إلحاق الألم وإن استحق من لحقه الألم العوض ، وإنما يحسن إلحاق الألم للنفع إذا تعذر الوصول إلى النفع بغير الألم ، كما نستأجر الأجير ليشق ويكدح لنفعنا ولينال الأجر عوضا عما لقيه إلا أن النفع فيما يلحق غير المكلفين من الآلام والأمراض يعود عليهم وليس على اللّه . ولا فرق في العوض الواجب على اللّه بين أن يفعله تعالى وبين أن ينتجه أو يلجىء إليه أو يوجبه أو يأمر به ، فعوض البهائم إذ تذبح واجب عليه تعالى من حيث أباحه بالشرع وأمر به ، فدل ذلك على أنه حسن ولا يحسن
الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 100 | أحمد محمود صبحي