تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
النعيم ؟ وهل هو دائم ؟ فضلا عن أنهم أقحموا أنفسهم في إشكالات تتعلق بجزاء السباع من الحيوانات فهل جزاؤها العذاب لاعتدائها على غيرها أم أنها تفنى « 1 » ، لقد كان أجدر بهم أن يقف تفسيرهم الأخلاقي عند حد المكلفين ، ولكن يبدو أنهم أكرهوا على الرد على هذه الاعتراضات من جانب الأشاعرة من ناحية والبراهمة من ناحية أخرى ، من حيث إن هؤلاء يرون قبح ذبح البهائم عقلا ؛ ومع ذلك فقد شملوا الحيوان بنظرتهم الأخلاقية من حيث إن آراءهم على حد تعبير جولدتسيهر حماية الحيوانات في صورة إنسانية « 2 » . واللّه لا يفعل الآلام لمجرد كونها مؤدية إلى عوض وإنما كذلك لكونها لطفا واعتبارا للمكلفين ، فاللطف في ذبح البهائم كونها قربى إلى اللّه بما يناله من التقوى ، كذلك اللطف بالمكلفين في آلام الأطفال وموتهم من حيث كانت هذه الآلام محنة بوالديهم فاللّه يعبد بالصبر كما يعبد بالشكر ، على أن الوالد إذا لم يعلم بموت ابنه لم يجب العوض على اللّه لأن العوض إنما يكون على ما يصيب الإنسان من كرب وعمة ، فآلام غير المكلفين بشئ راجع إلى التكليف ، ومن ثم لا تخرج عن كونها حكمة ، إنها قد تصرف عن القبيح وتبعث على الواجب فتكون بمنزلة العبادات الشرعية ، فالصبر على ما يصيب الإنسان في بدنه أو ماله أو ولده كالشكر على نعم اللّه ، ولما كان التكليف طريق نفع عظيم فقد وجب الشكر والتسليم . ولكن ما هو عوض الأطفال عن آلامهم ومصائبهم ؟ ذهب المعتزلة إلى أن اللّه يكمل عقولهم ويلحقهم بالصالحين في الجنة ليكونوا خدما لهم يستوى في ذلك جميع الأطفال من كان ابنا لمؤمن أو لكافر ، ولقد أثار عليهم هذا القول ثائرة الأشاعرة إذ يلزم عن هذا أن يستوى إبراهيم ابن النبي مع أبناء الكفرة « 3 » .
هامش
( 1 ) مقالات الإسلاميين ج 1 ص 293 والمغنى اللطف ص 500 - 503 . ( 2 ) جولدتسيهر : العقيدة والشريعة ص 94 . ( 3 ) ابن حزم : الفصل في الملل والنحل ج 4 ص 72 .