والوعيد وهو بدوره مستمد من أصل العدل حيث تقتضى العدالة المطلقة للّه أن يثيب الأخيار ويعاقب الأشرار « 1 » .
ولا ينفصل أصل الوعد والوعيد عن أصل آخر هو المنزلة بين المنزلتين حيث فاعل الكبيرة وإن كان في درجة بين الكفر والإيمان فإنه لسوء عمله وفسقه يستحق الخلود في النار ، فليس الشر في نظرهم بأهون من الشرك فكلاهما يحبط الإيمان .
ويتلخص الفهم المعتزلي لليوم الآخر في لفظ الاستحقاق ؛ فالإنسان يستحق بطاعته الثواب وعلى معصيته العقاب ، اتفقت المعتزلة على ذلك إلا البلخي ، إنه إذا حسن من اللّه أن يلزمنا المشاق فقد وجب عليه الجزاء وجوبا لازما عن عدله ، ويخالف الأشاعرة المعتزلة في لفظي الوجوب والاستحقاق ويستبدلون بهما لفظي التفضل في حالة الثواب والعدل في العقاب ، غير أن المعتزلة يرون أن درجة الاستحقاق أسمى وأعلى من التفضل المجرد « 2 » .
واستحقاق الثواب يجب أن يكون سعادة دائمة خالية من الشوائب مقرونة بالتعظيم كما أن استحقاق العقاب يجب أن يكون عذابا دائما خاليا من الشوائب مقرونا بالاستحقار ، فالثواب كالمدح والعقاب كالذم ، فلما وجب كون المدح أو الذم عن حسن الأفعال أو قبحها دائمين فقد وجب استحقاق الثواب أو العقاب كذلك « 3 » ولا يتعارض هذا مع ما ذهب إليه أبو الهذيل العلاف من فناء حركات أهل الخلدين إذ أنه كان يعنى بذلك أن يثبت الخلود والأبدية للّه وحده .
ولا يجوز العفو عن المعاصي إن لم تقترن بالتوبة الخالصة لأن في جواز
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار : شرح الأصول الخمسة ص 25 و 123 ( الشرح لأحمد بن الحسين ابن أبي هاشم ) .
( 2 ) الإسفرايينى : التبصير في الدين ص 73 وابن حزم : الفصل ج 3 ص 168 .
( 3 ) الرازي : نهاية العقول في دراية الأصول ج 1 ص 200 .