وقد نسب إلى معتزلة بغداد معارضة نظرية اللطف ، يقول بشر ابن المعتمر : إن عند اللّه لطفا لو أتى به الكفار لآمنوا طوعا إيمانا يستحقون به الثواب الدائم في جنات النعيم ، ذلك أنه لا غاية لما يقدر اللّه عليه من الصلاح فما من أصلح إلا وفوقه أصلح « 1 » ولكن إذا لم يفعل اللّه بهم ذلك وهو حكيم لا يعجزه الإعطاء فقد دل على أن ذلك أصلح لهم من حيث هو أحسن نظرا بعباده من أنفسهم في أمر دينهم ودنياهم ، على أن هذه النظرية تثير إشكالات خطيرة إذ يلزم عن ذلك أن يكون خلود أهل النار في الأغلال والأنكال أصلح لهم من الخروج من النار وكذلك الأصلح للفسقة أن يلعنهم اللّه ويحبط أعمالهم « 2 » ، ويبرر معتزلة بغداد ذلك أنهم لو خرجوا منها لعادوا لما نهوا وصاروا شرّا من الأول « 3 » .
غير أنه قد قيل إن بشر بن المعتمر قد رجع عن معارضته اللطف « 4 » ومهما يكن من شئ فإن نظرية معتزلة البصرة أكثر اتساقا مع آراء المعتزلة عامة ومع اتجاهاتهم الخلقية خاصة ، إذ لما أثبتوا للإنسان حرية الاختيار أخرجوا دائرة شرور الإنسان عن نطاق مراد اللّه ، ولما أقروا بوجود الشر الميتافيزيقى والطبيعي وفسروه في ضوء نظرية اللطف لم يتعارض ذلك مع ما يجب لصلاح الإنسان في أمر دينه وأخلاقه من ناحية وحكمة اللّه من ناحية أخرى .
وباختصار فإن نظرية وجوب الأصلح على اللّه في أمور الدين تمثل أوج مظاهر عناية اللّه بالإنسان وإرادة الخير والصلاح له .
هامش
( 1 ) الشهرستاني : الملل والنحل ص 83 والخياط : الانتصار ص 57 .
( 2 ) الجويني : الإرشاد - ص 287 .
( 3 ) الشهرستاني : نهاية الإقدام ص 405 .
( 4 ) الخياط : الانتصار ص 57