يعبدون الأوثان فكيف يكون ذلك أصلح لهم في أمور دينهم ؟ واللّه قد أعطى قوما مالا ورئاسة فبطروا وهلكوا وكانوا مع القلة والخمول صالحين ، وأفقر أقواما فسرقوا وقتلوا وكانوا في حال الغنى صالحين وأصح أقواما وجمل صورهم فكان ذلك سببا لكون المعاصي منهم وأمرض أقواما فتركوا الصلاة عمدا وضجروا . . . وكانوا في صحتهم شاكرين للّه . . أهذا الذي فعل اللّه بهم أصلح لهم « 1 » .
ولا يلزم عن اعتراضات ابن حزم إلا إنكار العناية الإلهية ، بل لقد شابه بأقواله المتشككين المعترضين على وجود إله حكيم « 2 » ، فضلا عن أن المعتزلة ينكرون تماما أن يصدر عن اللّه فعل يضطر عنده المكلف إلى الشرك والفساد ، ولكن اللّه يمتحن عباده فيضل من ضل باختياره ومحض إرادته وقد كان يمكن عند امتحان اللّه أن يزداد صلاحا وإيمانا فينال بذلك ثوابا ، وقد دلت اعتراضات ابن حزم على القيمة الأخلاقية لنظرية المعتزلة في الصلاح .
أما معتزلة بغداد فقد ذهبوا في فهم الحكمة الإلهية مذهبا أخر ، إذ لما كان لا يجوز أن يعلم الحكيم صلاحا وخيرا ولا يريده فإن الخلق والتكليف واجبان عليه ، كما يجب عليه استصلاح حال المكلف بأقصى ما يمكن من الصلاح في أمر دينه ودنياه معا « 3 » . ومن ثم فإن هذا العالم هو خير عالم ممكن ، وكل ما ينال العبد في الحال والمآل من البأساء والضراء والفقر والغنى والمرض والصحة والحياة والموت والثواب والعقاب فهو صلاح له ، فاللّه تعالى أحسن نظرا بعباده من أنفسهم .
هامش
( 1 ) الشهرستاني الملل والنحل ص 101 .
( 2 ) ابن حزم : الفصل في الملل والنحل ج 3 ص 166 .
اعتراضات مماثلة لابن الراوندي الملحد ( انظر الانتصار ) وكذلك لدولباخ واعتراضه على وجود اللّه وحكمته ( المشكلة الأخلاقية والفلاسفة ) ج 1 ص 138 .
( 3 ) الجويني : الإرشاد ص 287 .