تخويفنا بما لديه من العقوبات المعدة لمستحقيها إلا بهذه الطرق ، فإنا ما لم نشاهد هذا الجنس فيما بيننا لا ننزجر عما توعدنا عليه كل الانزجار « 1 » .
هكذا فسر المعتزلة خلق ما يبدو ضارّا غير منتفع به في ضوء إيمانهم بحكمة اللّه من ناحية ونظرية اللطف من ناحية أخرى حيث يمكن لمن يؤدى الفكر حقه أن ينعظ ويعتبر بوجود هذه المخلوقات ويكون أقرب ما يكون إلى الصلاح .
واللّه إذ خلق الإنسان وجعله مكلفا - وذلك منه تفضل وإنعام في رأى معتزلة البصرة . « 2 » - فقد وجب عليه إكمال عقله وإقداره على النظر والتفكير ورعاية الصلاح والأصلح في حقه بأبلغ غاية ، إنه لا يترك عبده المكلّف هملا إنما يلطف به ويمكنّه من نيل المراشد ويفعل أقصى ممكن في معلومه مما يؤمن ويطيع عنده في غير إلجاء « 3 » ، ذلك رأى معتزلة البصرة يرون وجوب الأصلح على اللّه للإنسان المكلف في شأن دينه ، فأصل التخليق والتكليف صلاح والجزاء صلاح وأبلغ ما يمكن في كل صلاح هو الأصلح ، وذلك بزيادة الدواعي والصوارف والبواعث والزواجر في الشرع وتقدير ألطاف بعضها خفى وبعضها جلى ، إن الصلاح هو كل ما عرى عن الفساد وهو الفعل المتوجه إلى الخير والمؤدى إلى السعادة السرمدية وليس المقصود به الألذ للناس ، وإنما ما هو أجود في العاجلة وأصوب في الآجلة « 4 » ، فاللّه تعالى وإن كان قادرا على غير ما فعل إلا أنه لا يوصف بالقدرة على أصلح مما فعل بعباده عند حد اختيار المكلف .
ويعترض ابن حزم على ذلك بقوله : إن اللّه منع الأموال قوما وأعطاها آخرين وأرسل إلى قوم أنبياء وخلق آخرين في أقاصي أرض الزنج
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار : شرح الأصول الخمسة ص 507 .
( 2 ) استدراك : معتزلة بغداد يرون ذلك واجبا عليه .
( 3 ) الجويني : الإرشاد ص 287 .
( 4 ) الشهرستاني : نهاية الإقدام ص 405 .