تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
على خلاف رأى من وافقهم في القول بالغائية والتعليل من أهل السلف الذين فسروا ذلك في ضوء الرأي الديني العقائدي البحت . على أن هذا التفسير الغائى الأخلاقي يصلح في النظرة الكلية إلى العالم والإنسان ولكن ثغرات المذهب تتضح في التفاصيل أو الجزئيات ، وقد نجح الأشاعرة في أن يجروا المعتزلة إلى أن يطلبوا منهم تعليل كل شئ من الشرور الجزئية وأنواع الفساد : ذلك الذي كفر حين بلغ ولو اخترمه اللّه صغيرا لخلص من العذاب ، إماتة الأنبياء وصالح ولاة المسلمين وتمكين زياد والحجاج ، الهلاك والدمار ، وجود الدود والذباب والأقذار « 1 » . وقد كان أجدى على المعتزلة أن يذهبوا إلى القول أن للّه في ذلك كله حكما خافية وذلك ما لا يبطل القول بالغائية أو التعليل ، ولكنهم أتعبوا عقولهم بمحاولة تفسير كل شئ فأعوزهم الدليل في بعض الأمور ، كما هو الحال في مناقشة الأشعري مع أبي على الجبائي حول الأطفال الثلاثة الذين اخترم أحدهم صغيرا ومات الثاني كبيرا على الشرك وثالثهم على الإيمان . على أن ذلك لا ينقض النظرية المعتزلة ويكفى أن نشير في ذلك إلى عبارة لكانط في نقد الحكم الغائى إذ يقول : إنه لولا الإنسان لكان الخلق عبثا . . . ولكن ليس الغرض ذلك الإنسان الذي يتأمل فحسب فينتهى به التأمل إلى أن يجد للكون غاية وإنما ذلك الإنسان ككائن أخلاقي هو الغاية من الخلق وإذا كان للوجود الإنسانى قيمة مطلقة فلا بد أن يكون للعالم غاية . . ولكن لا بد من وجود سيد يشرع في مملكة خلقية من الغايات حتى يتسنى تحقيق الخير الأقصى تحت رعايته ويكون قادرا على أن يخضع الكون كله حيث الإنسان كموجود عاقل خاضع لقوانين أخلاقية ليتسق مع الغاية القصوى ، وبمقتضى الخير المطلق والعدل ( وهما صفتان أخلاقيتان ) اللذين يتحدان فيعبران عن الحكمة تتهيأ الظروف كي يهدف
هامش
( 1 ) ابن حزم : الفصل في الملل والنحل ج 3 ص 90 - 98 .