تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
والمنكرون لتعليل أفعال اللّه من الأشاعرة وأهل الظاهر يتصورون في التعليل تقييدا للإرادة المطلقة للّه وما يشعر بحاجة اللّه لتحصيل هذه الغاية ، يقول الرازي إن كل من فعل فعلا لأجل تحصيل مصلحة أو لدفع مفسدة فإن كان تحصيل تلك المصلحة أولى له من عدم تحصيلها كان ذلك الفاعل قد استفاد بذلك الفعل تحصيل تلك الأولوية ، وكل من كان كذلك كان ناقصا بذاته مستكملا بغيره ، وهو في حق اللّه تعالى محال ، وإن كان تحصيلها وعدم تحصيلها بالنسبة إليه سيان فمع الاستواء لا يحصل الرجحان فامتنع الترجيح . ولا يقال حصولها ولا حصولها بالنسبة إليه وإن كانا على التساوي إلا أن حصولها أولى للعبد من عدم حصولها له ، فلأجل الأولوية العائدة إلى العبد ترجح الوجود على العدم ، لأنا نقول تحصيل مصلحة العبد وعدم تحصيلها له إما أن يكونا متساويين بالنسبة إلى اللّه تعالى أولا يستويان وحينئذ يعود التقسيم المذكور « 1 » . واعتراض الرازي لا يخلو من مغالطة لأنه إذا كان طرفا الفعل مع اللّه على سواء فإن الترجيح لا يعود إلى الفاعل اللهم إلا مقتضى الحكمة وإنما يعود إلى نفس الفعل وإلى من سيلحقه الفعل وهو الإنسان المكلف ، فليس في ذلك ما يوهم القهر على اللّه ، ولا يفيد ذلك معنى استكمال الباري بالغير ، لأن حكمته لم تحصل له من شئ خارج عنه بل هي قائمة به صفة له وليست لغيره ، فهو الحكيم ذو الحكمة كما أنه العليم ذو العلم « 2 » ، وموقف الأشاعرة في هذه المسألة ينطوى على تناقض لأن إنكار حكمة اللّه في أفعاله يستلزم استحالة تعليل شرائعه وأوامره وهذا ما لا يذهبون إليه ، يقول ابن تيمية : إن من نازع في إثبات الحكمة في أفعاله تعالى قد ناقض فقهه أصول كلامه من حيث إنهم يقولون بضد ذلك في مسائل الفقه
هامش
( 1 ) الرازي : الأربعين في أصول الدين ص 250 . ( 2 ) ابن القيم الجوزية : شفاء العليل ص 207 .