فكيف يجوز من الحكيم إباحة ما تحظره العقول أو أن يبعث من يتكذب عليه بإباحة ما تحظره العقول « 1 » .
لقد وافق المعتزلة البراهمة في دلالة العقل على حسن الأفعال وقبحها ولكنهم خالفوهم فيما عدا ذلك إذ لا يمنع المعتزلة أن يرسل اللّه من قبله رسلا تخبر شرائعهم بما يوافق دليل العقل أو تخالفه ، فالحكمة في إرسال الرسل فضلا عن تبليغ ما حملوه من تفصيل أمور الدين وبيان أحوال التكليف وتعليم الشرائع إزاحة العلة وتتميم إلزام الحجة حتى لا يقولوا يوم العرض
« لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا »
« 2 » ، والحجة وإن ألزمتهم قبل بعثة الرسل بأدلة العقل ، فليس هناك ما يمنع أن تقوى الأدلة ببعثة الرسل لتنبيههم من الغفلة وحثهم على الحظر
« لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ »
« 3 » ولولا ذلك لأخذتهم الغفلة ولأعمتهم الجهالة عن مراعاة تكاليف العقل فمن ثم فإن الكفار في جهنم يقولون :
« لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ »
« 4 » .
وإذا كانت النبوة لطفا للمكلفين فقد وجب على اللّه أن يؤيد رسوله ليقيم حجته على صدق رسالته ولا يجوز أن يظهر اللّه معجزته على يد كذاب لأن في ذلك استفسادا لما فيه من إضلال المكلفين .
واللطف الإلهى ببعثة الأنبياء يقتضى عصمتهم عن الكبائر والصغائر جميعا فيما يبلغون عن اللّه ، وموقف المعتزلة على تحررهم العقلي أكثر تشددا إزاء العصمة من الأشاعرة ، فبمقتضى نظريتهم في اللطف يمتنع الخطأ عن النبي حتى على سبيل السهو والنسيان وإلا انتفت الحكمة من اللطف الإلهى بإرسال
هامش
( 1 ) البغدادي : أصول الدين ص 155 والباقلاني : التمهيد ص 101 والبيروني :
تحقيق ما للهند من مقولة ص 81 .
( 2 ) سورة طه آية 134 .
( 3 ) سورة النساء : آية 165 .
( 4 ) سورة الملك : آية 10 .