اعتبار لكثرة النفع لعدد من المكلفين إذا كان ذلك لا يتم إلا بضرر ولو يسير يكره مكلفا على اختيار الكفر « 1 » .
ولا تعد بعثة الأنبياء لطفا إذا كان من المعلوم أنهم بغير البعثة يؤمنون فلما بعث إليهم الرسول كفروا وكذبوه وحاربوه ، لأنه لكي تحسن البعثة من حيث كانت لطفا يجب أن يؤمن من المكلفين عند إرسال الرسل ما كانوا ليؤمنوا لولا هذا اللطف .
ذلك تحليل للطف الإلهى يستند إلى نظرة مثالية في الأخلاق من حيث إن إيمان المكلف وصلاحه يرتهن بحرية إرادته من ناحية ولا يتوقف على شرك غيره أو فساده من ناحية أخرى ، فالحكمة الإلهية تأبى كل تصرف نفعي يبرر الواسطة بالغاية وتجعل هداية أقوام مشروطا بضلال آخرين ، فالهداية بإرسال الرسل ككل القيم الأخلاقية مطلقة لدى المعتزلة ولا ترتهن بأي شرط إلا بحرية إرادة الإنسان ، تلك هي فكرة الأحكام المطلقة تسرى على حكمة اللّه كما تسرى على الإنسان من حيث لا يجوز عندهم أن نظلم زيدا ظلما يسيرا إذا كان لنا أو لغيرنا في ذلك النفع العظيم ، وهي فكرة تماثل ما ذهب إليه كانط من بعد حين جعل القيم الخلقية أوامر مطلقة وجعل الإطلاق شرطا ليتسنى قيام الأخلاقية « 2 » ، وقد سبقت الإشارة إلى نص مماثل لبرجسون يلتزم فيه رأى كانط ولا يخرج عما ذهب إليه المعتزلة من قبلهما .
وقد انتقد الأشاعرة فكرة اللطف الإلهى لبعث الأنبياء ؛ يقول الإيجي : ينتقض ذلك بأمور : منها أنه لو كان في كل عصر نبي وفي كل بلد معصوم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وكان حكام الأطراف مجتهدين مدققين لكان لطفا أتم وأنتم لا توجبونه بل تجزمون بعدمه « 3 » .
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار : المغنى جزء 13 ص 97 / 101 د
( 2 ). 072 - 352 . p . p slarom fo scisyhpatem eht fo selpicnirP latnemadnuF : tnaK( 3 ) الإيجي : المواقف ، المرصد السادس - المقصد السادس ص 330 .