ويرد المعتزلة على ذلك أن اللّه لم يدخر عن عباده شيئا من اللطف كان عنده يؤمن من لا يزال كافرا أو يعدل به بعض المكلفين عن طريق الرشد
« وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ »
« 1 » فدل بذلك على أنهم لو آمنوا عنده وعند غيره لفعله لا محالة ، ولا يدل قوله :
« إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ »
على ما ينقض صدر الآية لأنه قد بيّن أنه لو كان لهم لطف على وجه الاختيار لفعله لكنه قد علم أنهم لا يؤمنون عند شئ البتة عند هذا الحد إلا أن يشاء اللّه حملهم عليه وإلجاءهم إليه ، ولكن لا يقع لهم في هذا الإيمان لزوال التكليف عنده ولخروجه على وجه يستحق به الثواب ومن ثم فإنه لا يفعله « 2 » .
خاتمة القول في اللطف
أشار فلاسفة كثيرون إلى فكرة العناية الإلهية ولزومها بصدد الأخلاق ، فقد جعل أفلاطون مثال الخير مصدر المثل وعلة غائية للموجودات المعقولة من حيث إن العاقل يتوخى الخير بالضرورة ، ثم عبر عن اعتقاده في عناية اللّه بالعالم بصدد ما فيه من نظام وتدبير وجعل الاعتقاد بالعناية الإلهية شرطا ضروريّا لحسن السيرة والنظام الاجتماعي ، ولكن أفلاطون كان مترددا بين صور مختلفة من العناية « 3 » وكما يقول القديس أوغسطين عنه إنه إذا كان لا يصعب علينا أن نستخرج من كتب أفلاطون عبارات توحى بافتقار الإنسان إلى مدد اللّه كي يزاول الحياة الفاضلة فإنه لا يصعب علينا أن نستخرج من كتبه عبارات توحى بالعكس « 4 » ولا يشير أرسطو إلى العناية
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : آية 111 .
( 2 ) المغنى : اللطف ص 195 .
( 3 ) يوسف كرم : تاريخ الفلسفة اليونانية ص 83 .
( 4 ) يوسف كرم تاريخ الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط ص 42 .