تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
طريقة التقليد ، ولكن وجود المتشابه أدعى إلى أن يشحذوا الفكر للاستنباط ويكدوا في معرفة الحق خواطرهم فيكونوا دائما في فكر مجدد ، وليست الآي المتشابه علة الفتنة التي يبتغيها المبطلون لأنهم بغير ذلك كانوا يضلون ، وإنما قد فرقت بين الثابت على الحق وبين المتزلزل فيه فضلا عما في ذلك من تقادح العلماء وإتعابهم القرائح في استخراج معانيه وما في رده إلى المحكم من الفوائد الجليلة والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند اللّه « 1 » . ولكن تكون قراءة القرآن لطفا تبطل قراءته دون معرفة معانيه أو تدبر أحكامه ، فاللّه لم يختص الرسول وعلماء السلف بالمراد من الخطاب دون سائر المسلمين ، وليس حال ابن عباس وغيره من المفسرين إلا أن تقدموا غيرهم بمعرفة اللغة وأسرارها وذلك ما يتفاوت فيه العلماء . تلك هي مكانة العقل لدى المعتزلة سموا به إلى مكانة هي سر خصوبة الفكر الإسلامي في أوج ازدهار فلسفتهم ، على أن نزعتهم العقلية المتحررة لم تزغ قلوبهم ولم تشطح بآرائهم بصدد اللطف إلى ما يخالف الدين وأحكامه ، فهم بعد أن فصلوا بين العقليات والسمعيات وألحقوا الثانية بالأولى لم يجيزوا التهوين من الفرائض ولا التبديل في أحكام اللّه ، بينما استنبطوا من الشرعيات ما يشحذ العقول على التفكير وما يثبت الأقدام على الإيمان والفضيلة ؛ فكانوا بحق أهل النظر العقلي وأصحاب الاتجاه الخلقي في الفكر الإسلامي بلا مراء .

بعثة الأنبياء

ذهب البراهمة إلى إنكار الرسل ؛ فذلك في رأيهم معارض للحكمة الإلهية إذ أن العقل يدل على حسن الأفعال وقبحها ، والتكاليف العقلية ثابتة من جهة العقول دون حاجة إلى الرسل ، ومدعى الرسالة إن أخبر بما يوافق العقل فقد أمكن الاستغناء عن الرسل بالعقل ، وإن أباح ما حذره العقل
هامش
( 1 ) المرجع السابق ص 373 والزمخشري : الكشاف - تفسير أية . . . فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ( آل عمران - أية 7 ) وجولدتسيهر : مذاهب التفسير الإسلامي ص 152 .
الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 76 | أحمد محمود صبحي