ذلك موقف حاسم تجاه محاولة فصل الدين عن الأخلاق ، فإذا كان الدين يلزم عنه الصلاح فذلك لا يعنى أن يدعى الإنسان الفضيلة دون حاجة إلى ممارسة الشعائر الدينية ، لأن أداء الشعائر تجعل الإنسان في موقف هو أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد .
ولا مجال للاعتراض أن المكلف قد يفعل اللطف ولا يمتنع عن الفساد إذ لا مجال للفصل بين إرادة التكليف وإرادة اللطف ، فالداعى إلى التكليف هو الداعي إلى اللطف والدلالة على قبح الفساد تقوم مقام الدلالة على وجوب اللطف ، ولا يحصل اللطف إلا بارتفاع الفساد فمن لم تنهه صلاته عن الفاحشة لم يزدد من اللّه إلا بعدا « 1 » .
ذلك رد المعتزلة على الوجه الآخر لمحاولة فصل الفضيلة عن الإيمان ، فليست الفروض الشرعية مجرد فروض تؤدى وليست الصلاة أفعالا وأقوالا مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم دون دلالة أخلاقية ، وليس ما يذهبون إليه من تفرقة بين العقليات والسمعيات تبرر الفصل بين الأخلاق والإيمان ، بل على العكس أكدوا الذاتية بينهما وهو موقف رائع لا نظير له في الأخلاق الدينية اللهم إلا وربما على نحو أقوى لدى الصوفية .
إنه إذا كانت العقليات إنما تجب لذاتها أو لصفات تخصها بينما تجب السمعيات لأنها تؤدى إلى الحسن ولكونها لطفا فذلك لا يعنى أن تقل درجة الإلزام في الشرعيات عنها في العقليات ، فليس ترك الصلاة بأهون من الكذب ، كما أنه إن جاز النسخ في الشرائع بينما قيمة العقليات مطلقة ، فذلك لا يعنى إطلاقا ما ذهب إليه البير نصرى أن معصية السمعيات لدى
هامش
( 1 ) المغنى : جزء 13 ص 168 - 170 .