الشرعيات
على أن اللّه إرادة منه لهداية الإنسان وخيره لم يكمله بالعقل فحسب ، وإن كان بمقتضى العقل يميز المكلف بين خير الأفعال وقبحها ، وإنما ألزمه بالشرائع من حيث هي ألطاف في العقليات « 1 » إذ عندها يكون المكلف أقرب إلى اختيار الطاعة وأداء صالح الأعمال ، لقد بين اللّه تعالى ما يقبح بالشرع وعلمّنا أنه يقبح لكونه مفسدة وكلفنا الامتناع عنه لأجل قبحه وليس من أجل الثواب ، من حيث أن ليس الثواب جهة وجوب الفعل فإن فقد الثواب لا يقدح في وجوب الفعل ، فإنما الشرائع ملزمة لأن المكلف يعلم أن اللّه إذ أوجبها قد حسن منه الإيجاب بمقتضى حكمته لكونها لطفا دون نظر إلى ثواب اللّه « 2 » ، فليست الشرائع ملزمة لأنها أوامر ولا لأنها يستحق بأدائها الثواب وإنما لأنها تؤدى إلى الفعل الحسن ، ولما كانت الشرائع قد فرضت لأنها ألطاف في العقليات فقد وجب على المكلّف أن يبين جهة الوجوب والحكمة من التشريع ، كما يجب على المكلّف أن يستنبط من الأحكام فيكشف عن حال ما ورد فيه من الوجوب أو التحريم ، ولقد أبان المشرع أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، ولما كان الامتناع عن الفحشاء بمقتضى الصلاة يقتضى تقارب أوقاتها فقد لزم أن تكون الصلاة حالا بعد حال ، والطهارة تجب على النحو الذي بينها الشرع لأنها شرط لصحة الصلاة ، وما كان شرطا في اللطف ولا يتم اللطف إلا به فإنه يجب وجوب اللطف إذ لا يمتنع في اللطف أن يكون مشروطا لكي يكون لطفا كأن تكون الصلاة في وقت مخصوص بفعل مخصوص هو التوضؤ بماء طاهر .
على أن الصلاة لا تجب لمجرد أنها تنهى عن قبيح بحيث يحسن الترك دون الصلاة ، ذلك أن في تركها مفسدة من حيث هو ترك المصلحة ، ومن الشرعيات ما يجب لكونه مصلحة ومتى ترك قبح لأنه ترك الواجب .
هامش
( 1 ) المغنى : اللطف جزء 13 - ص 164 .
( 2 ) المغنى : جزء 12 - النظر والمعارف ص 289 .