لا يعرف في الحقيقة وجوه الواجبات والقبائح .
ويدل على ذلك أيضا أن المقدم على ما لا يعلمه لا لوم عليه وإنما يلام من يعلم ، ولذلك يجعل العقلاء فقد علم الفاعل عذرا له فيما فعله كما يجعلون فقد القدرة عذرا له فيما لا يفعله ، على أن ذلك لا يعنى أن يتوقف الإنسان عن النظر حتى لا يعلم ، ومن ثم يعفى من التكليف ومسؤولية العمل ، لأن من لزمه النظر فلم ينظر ولم يستدل ومن ثم لم يتمكن من القيام بالواجب فقد استحق العقاب ، وإنما يعد فقد العلم عذرا إذا كان غير متمكن من أن يعلم كالمجنون والصبى « 1 » ، فالمعرفة تجب على المكلف من حيث كانت لطفا ، إنه إذا علم بعقله أن له في الفعل منفعة كان ذلك داعيا إلى فعله ، وإذا علم أن عليه في الفعل مضرة فإن ذلك صارف له عن فعله ، فالعلم بأن ذلك الطعام اللذيذ عند الجوع الشديد مسموم صارف له عن تناوله .
على أن مجرد العلم ليس ملجئا الإنسان إلى الفعل ، وإن كان الجاحظ قد ذهب إلى أن المعارف تقع بالطبع وأن العالم يكون بحال متى صار قادرا اختار الفعل لا محالة ، وهي وجهة نظر تشبه رأى سقراط حين جعل العلم الشرط الوحيد للفضيلة ، ولكن سائر المعتزلة يعارضون ذلك ، فليس العلم إلا لطفا في المصالح ، وهو كسائر الألطاف لا يلجئ الإنسان إلى الفعل ، فإن من علم أن في ترك الصلاة عقابا وفي فعلها استحقاق الثواب ليس مكرها إلى أن يفعلها وإنما قد تصرفه الصوارف عنها ، فليس العلم إلا من جملة الدواعي التي ترجح لدى الإنسان ما يختاره ، وإنما تقع الأفعال كلها من جهة القادر على طريقة الاختيار من العقلاء لا يلجئهم إلى أدائها علم أو خوف « 2 » .
هامش
( 1 ) المغنى : جزء 12 ( النظر والمعارف ) ص 311 .
( 2 ) المرجع السابق ص 253 وص 305 .