واجبا عليه النظر المؤدى إلى العلم ، كذلك لا يقدح في العقل كباعث للعمل والأداء اختلاف الناظرين فيما يصدرون من أحكام ، ذلك أن العلم بالمعلوم جملة من كمال العقل الذي لا يجوز أن يختلف الناظرون فيه بحال ، فالعقلاء على اختلاف أحوالهم يعتقدون قبح الظلم وحسن الصدق ، فالعقليات لا تختلف لدى ذوى العقول ، ولكنهم يختلفون عند التفصيل والتخصيص ، كاختلافهم في أن ظلما بعينه يعد ظلما ومن ثم فهو قبيح ، فالخوارج لا يمارون أن الظلم قبيح ولكنهم يختلفون عن سائر الفرق في اعتبارهم قتل من خالفهم إذ لا يلحقونه بالظلم ، كذلك يفصح المعتزلة عن وجهتهم العقلية ، ولقد سبقوا ديكارت في إشارته التي يستهل بها مقاله عن المنهج إلى أن العقل أحسن الأشياء قسمة بين الناس . . . وأن اختلاف آرائنا لا ينشأ من أن البعض أعقل من البعض الآخر وإنما ينشأ من أننا نوجه أفكارنا في طرق مختلفة « 1 » .
وليس اختلاف الأحكام على التفصيل قادحا في أن العقل لطف أو أنه الطريق الوحيد المؤدى للعلم ، ومن ثم أداء العمل على النحو الذي ينبغي ؛ لأن المكلف لا يلزمه معرفة الأحكام شرعية أو عقلية تفصيلا كأن يعرف أجناسها وأحوالها الراجعة إلى آحادها وإنما يلزم ذلك أهل الكلام دون غيرهم ، وإنما يجب على المكلف أن يعرف جملة خصائصها ومفارقتها بالصفات لغيرها لأنه عند ذلك يتمكن من أداء ما لزمه على الحد الذي وجب « 2 » ، ولن يكون ذلك باعتقاد سابق لأن حال المعتقد ابتداء لا يفارق حال الظان أو الشاك ، وإنما يكون بنظر متجدد حالا بعد حال حتى يستوفى المعرفة التي عندها تستروح النفس وتسكن .
والذي يدل على أهمية العلم القائم على النظر العقلي من أجل التمسك بالطاعة واختيار الصلاح أن الصبى لنقصان عقله ليس مكلفا من حيث إنه
هامش
( 1 ). ) scsiacnarF serttel seL ( 4 . P edoht ? em al ed sruocsiD : setracseD( 2 ) المغنى جزء 12 ص 247 .