فيه وإنما يفعل المكلف الفعل الحسن لحسنه كما يجتنب القبيح لقبحه دون أن يكون للطف في ذلك مدخل ، وإنما يكشف العقل عن وجوه الحسن في الفعل الحسن وعن وجوه القبح في الفعل القبيح ، ثم يكون اللطف لتقوى الدواعي إلى العمل الصالح ويشتد الامتناع عن القبيح .
ولا مجال لنظرية اللطف مع الاعتقاد بالجبر ومن ثم ينكر القاضي عبد الجبار على المجبرة والأشاعرة أن ينتقدوا اللطف فضلا عن أن يخوضوا فيه طالما لا يسلمون بحرية الإرادة للإنسان ، إنه إذا كان إنسان ملجأ إلى الفعل فإن أفعاله تكون كحركات عروقه ونبضات قلبه ومن ثم فلا مبرر للكلام في اللطف « 1 » من حيث يشترط أن يكون فعل الطاعة بموجب اللطف على وجه يقع عنده الاختيار « 2 » .
مظاهر اللطف الإلهى
إكمال العقل
إكمال العقل أول مقتضيات التكليف وأعظمها أهمية للإنسان المكلف لأنه يجب فيمن لزمه شئ أن يعرف ما لزمه وأن يفصل بينه وبين غيره بل أن يعرف وجه وجوبه وما اختص به من صفاته وذلك ليصح منه أن يفعله . أما إذا لم يعلم ذلك أو لم يتمكن من معرفته فإيجاب التكليف عليه بمنزلة إيجاب ما لا يقدر عليه « 3 » ولما افتقد الصبى والمجنون العقل الذي وجوده شرط في التكليف فقد قبح أن يكلفا أصلا لأن تكليفهما ما لا يعرفانه بمنزلة تكليف ما لا يطاق « 4 » ؛ ولا يفصل المعتزلة الكلام في العقل باعتباره لطفا بل أوجب الألطاف ، وإن كان أبو علي الجبائي قد أشار إلى ذلك في مقابل ما ركّب في الإنسان من الشهوة والميل إلى القبيح : وهو إذ خلق
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار : المغنى - جزء 13 ص 31 .
( 2 ) المرجع السابق ص 9 .
( 3 ) المغنى جزء 12 ( النظر والمعارف ) ص 236 .
( 4 ) المغنى : جزء 12 ص 237 .