قادر على ما لا نهاية له من الألطاف ، ولكن اللطف الذي عنده يؤمن الكافر ويهتدى الضال يكون إكراها على الإيمان والصلاح وذلك لا يتسنى أن يكون على وجه يقتضيه التكليف ، فحال المكلف يقتضى أن لا يكون اللطف مؤثرا في الفعل مكرها عليه وإن احتاج إليه ، ولو صح اللطف والمكلف ملجأ لكان المرمى من شاهق يحتاج إلى لطف في نزوله مع ارتفاع الموانع ، ولو كان المكلف يفعل الصلاح مكرها لما كان توفيقه في ذلك مستحقّا به المدح والثواب . أما وقد علم أنه يثاب عند صلاحه فقد دل ذلك على أن توفيق اللّه غير مكره له على الاختيار .
فلا مجال للقول بتناهى قدرة اللّه على اللطف ، وكان ابن حزم قد اتهم المعتزلة بالقول بأن لا نهاية لما يقدر اللّه عليه من الشر وأن قدرته على الخير متناهية « 1 » ولكنه حرف أقوالهم أو أساء فهم آرائهم لأن إيثار المكلفين المعصية على الطاعة لا يرجع إلى تناهى قدرة اللّه على اللطف
« وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً »
« 2 » وإنما إلى حال المكلف نفسه ، إنه كالدواء والطعام والشراب يصلح للإنسان منه مقدار فما زاد عن ذلك أو تعدى كان ضررا ، وما نقص عن الكفاية كان ضررا كذلك ، إنه حال يكون المكلف عنده أقرب إلى اختيار الطاعة من حيث إنه عند اللطف تقوى الدواعي إلى التقوى والصلاح .
فإذ كان اللطف لا يلجئ الإنسان إلى الصلاح فلا يعنى ذلك جواز الاستغناء عنه أو أنه يصح للإنسان الهداية بدونه ، إنه تمكين الإنسان من الخير وتقوية الدواعي إليه ، ولو علم اللّه أن المكلف لا يختار الفعل البتة مع اللطف فيه لما كلف المكلف فعل ذلك الفعل ، إنه يصير تكليف ما لا يطاق فذلك غير جائز على عدل اللّه .
وليس اللطف جهة للطاعة ، فالمكلف لا يأتي الفعل من أجل اللطف
هامش
( 1 ) ابن حزم : الفصل في الملل والنحل - جزء 3 - ص 164 .
( 2 ) سورة يونس آية 99 .