إذ يصح أن يعدل المكلف عن اختياره لسوء تدبيره ، أما إذا حدثت الطاعة بموجب اللطف سمى ذلك توفيقا ، ولكن التوفيق ليس مصاحبا لكل لطف ، وكما أن الآلات والدواعي التي تمكن من الفعل ليست موجبة له فكذلك القول في اللطف « 1 » ، إنه لا يتنافى مع حرية الإرادة اللازمة للمكلّف ، وليس ذلك عن نقص أو قصور في اللطف ، حقّا لقد ذهب بشر بن المعتمر إلى أن اللّه عنده لطف لو فعله بالكافر لآمن ولاستحق الثواب عنده استحقاقه للثواب لو آمن دون لطفه ، غير أن المعتزلة يخالفونه في ذلك ، ويقول صاحب الانتصار : إنه أقلع عن قوله « 2 » ، وقد ذهب جعفر ابن حرب إلى أن عند اللّه لطفا لو فعله لآمن الكفار دون أن يستحقوا الثواب ، وقول جعفر لا يجانب سياق التفكير المعتزلي لأنه لو آمن الكافر دون استحقاق الثواب بموجب اللطف فذلك يعنى أنه قد أكره على الإيمان وارتفعت حرية الاختيار اللازمة للتكليف ، ولكن اللطف الإلهى لا يرفع الحرية ولا يقيدها ومن ثم كان قول جمهور المعتزلة : ليس في مقدور اللّه سبحانه لطف لو فعله بمن علم أنه لا يؤمن لآمن عنده ، وأنه لا لطف عنده لو فعله بهم لآمنوا حتى يقال يقدر على ذلك أو لا يقدر عليه ، وأنه لا يفعل بالعباد كلهم إلا ما هو أصلح لهم في دينهم وأدعى لهم إلى العمل بما أمرهم به وأنه لا يدخر عنهم شيئا يعلم أنه يحتاجون إليه في أداء ما كلفهم أداءه « 3 » .
وإذا كان ليس عند اللّه لطف لو فعله لآمن الكافر ولاهتدى الضال فلا يعنى ذلك تناهى قدرة اللّه على اللطف ، فاللّه لم يدّخر عن عباده شيئا مما علم أنه إذا فعله بهم أتوا الطاعة والصلاح لأنه جواد حكيم لا يعجزه الإعطاء ولا ينقص من خزائنه ولا يزيد في ملكه الادخار ، فاللّه
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار : المغنى جزء 13 - ص 12 و 13 .
( 2 ) الخياط : الانتصار ص 58 .
( 3 ) الشهرستاني : الملل والنحل ج 1 ص 83 .