تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
« لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا »
« 1 » . سئل أبو علي الجبائي عن وجه الحكمة في إماتة الرسل وإبقاء إبليس فقال : إن الذي لا يستغنى عنه هو اللّه وحده ، وأما الأنبياء فقد يغنى اللّه عنهم بألطافه وأما إبليس فلو علم اللّه في إماتته مصلحة لفعل ، ولو علم في بقائه مفسدة لما بقي ولكن كان يفسد مع موته من فسد في حياته « 2 » . واللطف الإلهى لازم عن التكليف ، إنه تعالى إذ جعل المكلف على الأوصاف التي معها لا بد من أن يكلفه ، وإذ جعله حرّا مختارا يقدم على الفعل أو يمتنع عنه ، وإذ غرس فيه من الطبائع والشهوة ما يجعل التكليف مصحوبا بالكد والمشقة ، وهو إذ أراد بتكليفه أن يعرضه للمنفعة ، فلا بد من اللطف كي يتم الأمر الذي قصده ، وهكذا يجرى اللطف مجرى سائر وجوه التمكين وإلا كان ذلك ناقضا للتكليف مؤثرا في حكمة المكلف ، ألا ترى أن أحدنا إذا أحب من ولده التعليم فمكنه بوجوه التمكين من ذلك كإيجاد مؤدب ومعلم وغير ذلك ثم إذا قوى في ظنه أنه متى رفق به يختار ما أراد منه ، ومتى ترك ذلك يختار الفساد ويؤثره يكون تركه الرفق به ناقضا للغرض مؤثرا في الحكمة ، فالقول باللطف يقتضيه القول بالعدل ويشهد بصحته العقل ، إذ ليست الحاجة إلى اللطف بأقل من الحاجة إلى التمكين من أجل الصلاح في الدين ، إن التكليف واقتضاءه اللطف بمنزلة الوعد في أنه يقتضى إيجاد ما وعد « 3 » .

في أن اللطف الإلهى ليس إلجاء :

وإذا كانت الشهوة غير مضطرة الإنسان إلى فعل القبيح ، وليس إبليس مكرها إياه على الضلال فإن اللطف الإلهى غير ملزم على العمل ، إنه حالة يكون المكلف عندها أقرب إلى اختيار الطاعة وليس فاعلا لها لا محالة
هامش
( 1 ) سورة النساء - آية 83 . ( 2 ) ابن المرتضى : المنية والأمل ص 18 . ( 3 ) القاضي عبد الجبار : المغنى - جزء 13 ص 11 .
الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 64 | أحمد محمود صبحي