وإذا كان ديكارت قد جعل الضمان الإلهى لازما لصحة أحكامنا فإن اللطف الإلهى أوجب لهداية أفعالنا .
ولما كانت الشهوة في الإنسان داعية في الغالب إلى الرذيلة كان اللطف في الفعل يجرى مجرى الدواعي إلى الفضيلة لأنه باللطف يختار المكلف عنده ما لولاه ما كان ليختاره .
ولا يصح الاعتراض بأن زوال الشهوة كان أولى لهداية الإنسان من حيث إنه متى زالت الشهوة أصلا زال التكليف إذا لم يحصل ما يقوم مقامه ، وقد كان الاعتراض يصح لو كانت الشهوة في الإنسان ملجئة إياه إلى الرذيلة ، إنها لو كانت كذلك لقبحت لا محالة ولأصبحت مفسدة ، أما وإنها ليست ملجئة فإن وجودها لازم لاستحقاق الثواب ومن ثم يعظم الثواب إذا قويت الشهوة وقوى معها الامتناع ، فنجل عفة الشاب عن الشيخ ويظل اللّه يوم القيامة رجلا دعته امرأة ذات حسب وجمال فقال إني أخاف اللّه .
كذلك الأمر في إغواء الشيطان ، إنه يجرى مجرى زيادة الشهوة التي تقضى زيادة المشيئة في الامتناع عن المشتهى ، فالإغواء يعد لطفا من حيث يحصل للمكلف عند زيادة الامتناع ارتفاع الدرجات وعلو الهمة « 1 » ، وليس عدم إبليس أولى لأنه ليس له على بنى الإنسان من سلطان
« وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ »
« 2 » إنه لا يعقل أن كان المكلف يمضى على سنن الطاعة ويختارها ثم يفعل اللّه أمرا مخصوصا كإيجاد إبليس فيعدل المكلف عن الطاعة ويختار المعصية ، إن ذلك لا يكون إلا استفسادا ، ولكن الذي يعقل أن المكلف كان يختار المعصية والرذيلة فيلطف اللّه به ويخرجه عن أن يستحق الذم والعقاب من حيث أوجد له الدواعي بلطفه ما جعله يختار الطاعة والفضيلة
هامش
( 1 ) المغنى - جزء 13 - ص 98 .
( 2 ) سورة إبراهيم آية 22 .