الفصل الثالث في أن اللّه لا يدع الانسان المكلف دون هداية منه في غير إلجاء ( اللطف الإلهى )
في فلسفة تؤمن بالعدالة الإلهية وبحرية إرادة الإنسان لا بد من نظرية تجعل اللّه مريدا هداية الإنسان بعد أن خلقه كائنا مسؤولا مكلّفا ، وبعد أن ركّب فيه نزعات الشهوة للقبيح فضلا عن غواية الشيطان له ، يقول أبو علي الجبائي : اللّه عادل في قضائه رؤوف بخلقه ناظر لعباده لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر ولا يريد ظلما للعالمين ، وهو لم يدخر عن عباده شيئا مما يعلم أنه إذا فعله بهم أتوا الطاعة والصلاح ، وهو إذ خلق فيهم الشهوة للقبيح والنفور من الحسن وركّب فيهم الأخلاق الذميمة فإنه وجب عليه إذ كلفهم إكمال العقل ونصب الأدلة والقدرة والاستطاعة حتى يفعل بهم أدعى الأمور إلى فعل ما كلفهم به وأزجر الأشياء لهم عن فعل القبيح الذي نهاهم عنه « 1 » .
فنظرية اللطف الإلهى لدى المعتزلة كما أوردها أبو علي الجبائي في النص السابق لازمة عن العناية الإلهية من ناحية وفي مقابل ما خلق في الإنسان المكلف من شهوة حتى لا تكون الدواعي إلى الشر لديه أرجح من دواعي الخير ، الأمر الذي يتعارض مع المسؤولية والجزاء .
ومن ناحية أخرى تأتى نظرية المعتزلة في اللطف الإلهى مكملة لآرائهم في تفسير الشر الميتافيزيقى والطبيعي أو المصائب والآلام اللذين يتمان بإرادة اللّه فتنة للإنسان فيأتي الشر الخلقي المتعلق بإرادة الإنسان ولكن العناية الإلهية تأبى إلا الهداية له واللطف .
هامش
( 1 ) الشهرستاني : الملل والنحل ج 1 ص 107 .