ولعله يقول : إنه يحسن من حيث كان لطفا فقط ، وقد بيّنا أنه لكونه لطفا يجب وله وللعوض يحسن ، فصار للطف تأثير في حسنه ووجوبه ، وللعوض تأثير في حسنه فقط « 1 » .
ويرجع ترددهم بين القول باللطف أو بالعوض إلى أنه لو كانت آلام الأطفال تحسن للطف فقط فكيف تكون كذلك وهم غير مطالبين بتكليف ، إن ذلك يتنافى مع عدله ، وإن كانت تحسن للعوض فقط فكيف يحسن من اللّه أن ينزل الرزايا والمصائب لمجرد أن يعوضهم عليه في الآخرة ، إن ذلك عبث يتعارض مع حكمته ، ومن ثم فقد ذهب القاضي عبد الجبار إلى القول باللطف والعوض معا لأنه لو زال عنه العوض لكان قبيحا من حيث كان ظلما ولو زال كونه لطفا لكان قبيحا من حيث كان عبثا .
قد يكون رأى المعتزلة لأصل الشر الميتافيزيقى والطبيعي بالنسبة للأطفال غير مقنع ، وقد تكون هذه المشكلة إحدى نقط الضعف في نظريتهم ولكن ذلك لا ينهض دليلا على تهافتها ولقد قدموا تفسيرا أخلاقيّا صالحا لأن يكون زادا للإنسان في مجال السلوك وفي سعيه إلى الخير ، فالإنسان ممتحن بالنعم والنقم معا وليس عليه إلا أن يكون صالحا أصابه الخير أم الضر فلا تفتنه النعم ولا يجزع عند البلاء
« فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ »
. . . فدل بذلك على أن ما أصاب الإنسان من ضر أو نعمة إنما هي فتنة له
« وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ »
« 2 » .
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار : المغنى ج 13 - ص 105 .
( 2 ) سورة الزمر : آية 49 .