على أن المصائب والآلام لا تنزل بالمكلفين وحدهم وإنما تصيب غيرهم من الأطفال والبهائم فكيف تقربهم هذه المصائب من الطاعات وهم غير مكلفين ؟
تلك هي المشكلة التي جابهت المعتزلة ونظريتهم في تفسير وجود الشرور والآلام ، ومنطق مذهبهم يقضى أن يستبعدوا أن تكون الشرور عظة واعتبارا للمكلفين لأنه حسب رأيهم لا يحسن منه تعالى أن يلحق الضرر بزيد لينتفع بذلك عمرو ويلزمهم كذلك استبعاد أن تكون هذه الآلام استحقاقا عن معاص في حياة سابقة لهذه الحيوانات أو الأطفال كانوا عندها مكلفين عاصين ، فذلك رأى أهل التناسخ الذي لا يقره المعتزلة فضلا عن سائر المسلمين « 1 » ويلزمهم كذلك ألا ينكروا وقوع هذه الآلام من اللّه لأنهم قد أثبتوا ذلك للمكلفين فلا مبرر لإنكاره على غير المكلفين إلا عن مكابرة ، كذلك يلزمهم ألا ينفوا أن الأطفال والبهائم تألم لأن في ذلك معارضة للحس والمشاهدة فضلا عن أن الألم يلحق الحي من حيث هو حساس لا لكونه عاقلا فليس الألم معلقا على التكليف « 2 » ، حقّا لقد ذهب إلى هذا الرأي بكر ابن أخت عبد الواحد « 3 » ومن بعده فيلسوف كبير كديكارت إذ فسر آلام الحيوانات تفسيرا آليّا « 4 » ولكن المعتزلة لا يقرون شيئا من هذه الآراء ، وبقيت المشكلة أمامهم لغزا عسير الحل عنده يختلفون ، يقول القاضي عبد الجبار : فأما الأمراض النازلة لغير المكلفين من الأطفال وغيرهم فقد اختلف شيخانا رحمهما اللّه في ذلك ، فعند أبى على لا يحسن إلا من حيث كان لطفا ولا بد فيه من عوض وقد حكى عن أبي على الرجوع إلى هذا القول ، والمحكى عن عباد أنه يحسن لا للعوض
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار : المغنى - ج 13 - ص 405 وما بعدها .
( 2 ) المرجع السابق ص 381 / 383 .
( 3 ) الأشعري : مقالات الإسلاميين ج 1 ص 317 .
( 4 ) يوسف كرم : تاريخ الفلسفة الحديثة ص 78 .