تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
فسّروه من وجهة النظر الإنسانية من حيث إنهم فسروا الشر في ضوء مسؤولية الإنسان فكان تفسيرهم أخلاقيّا محضا ، بل ليس بين النظريات التي عالجت مشكلة الشر الميتافيزيقى نظرية فسرته في ضوء الأخلاق من حيث ألحقته بالموقف الإنسانى كما فعل المعتزلة . ولكن هل يصح أن يفتن اللّه عبده فيصيبه بمحنة يختار الكفر عندها وكان يؤمن بدونها ؟ ألا تنزل النوازل وتشتد ببعض الأفراد إلى الحد الذي يخرجون فيه عن طورهم وينغمسون في آثام لعلها تنسيهم همومهم أو ربما يكفرون وكانوا بغير ذلك يحيون على سنن الطاعة والصلاح . هذه مشكلة كانت قد واجهتها مذاهب أخلاقية كالكلبية والرواقية ومع سمو اتجاهاتهم الخلقية فإنهم لم يضعوا حلّا لذلك إلا الانتحار ، وتعرض لها أرسطو فلم يذكر إلا استحالة توفر السعادة . أما المعتزلة فلا يجدون في ذلك مبررا للإنسان أن ينحرف إلا أن يكون عن ضعف فليس هناك من المحن ما يكون علة ملجئة إلى الفساد ، ولكن صلاحه لم يكن عن يقين ، كمن يعبد اللّه على حرف إن أصابه خير اطمئن به وإن وأصابته فتنة انقلب على وجه ، مثله كمن يكون مع الجيش على طرف إن أحس بالنصر كر وإلا فر وانقلب على حليفه فهو غير مستحق اسم الحليف أو الصديق ، كذلك من يكفر عند المحنة غير مستحق صفة الإيمان أو الصلاح . فلا يعقل أن يمضى المكلف على سنن الطاعة ويختارها ثم يفعل اللّه فيه أمرا مخصوصا يضطره إلى أن يعدل عن الطاعة ويختار المعصية ، إن ذلك لا يكون إلا استفسادا وإذا صح أن اللّه لا يحمل المكلف على الطاعة بالقهر أو الإلجاء فلا يعقل أن يحمله على المعصية حتى يلجأ إلى فعلها إلا أن يخرج المكلف بذلك أن يكون مستحقّا الذم والعقاب « 1 » .
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار : المغنى جزء 13 اللطف ص 120 .