على أن متعة الحياة الدنيا وزخرفها كانت ستصبح مفسدة إذ لو شاهد الناس ما عليه الكفار من الأحوال العظيمة لفسدوا واختاروا الكفر ولكن إزالة نعم الحياة الدنيا يوجب صلاح الآخرة
« وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ »
ومن ثم فقد وجبت أن تكون الآلام الواقعة من قبله تعالى خارجة عن أن تكون ظلما أو عبثا أو فسادا بل إنها صلاح للمكلفين وخير لهم من حيث إنه عندها قد يصلحون وفي الآخرة يثابون ، إن موت الحميم والقريب والآفات الواردة من جهته تعالى على الأموال ألطاف ومصالح يجب الصبر عليها « 1 » .
وكما أن الخيرات واللذات ليست كلها حسنة من حيث إنها قد تقبح إن كانت مفسدة وكما أن الشرور والآلام ليست كلها قبيحة إذا كانت لطفا موصلا إلى الخير والصلاح فإن نظرية المعتزلة لا تعنى أن الشرور والآلام موصلة الإنسان بالضرورة إلى صلاحه لأن ذلك في نظرهم إلجاء أو إكراه للإنسان على موقف معين يمتنع عنده التكليف والمسؤولية اللتان تقتضيان حرية الاختيار ، فكما أن ليس كل نعيم موجبا لفجره ، كذلك ليس كل ضرر موجبا لصلاحه
« أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ »
« 2 » .
إن النعم والنقم كلها مصالح من حيث إنها تدعو الإنسان إلى التذكرة والاعتبار ولكنها لا تضطره إلى صلاح أو فساد ، أما النعيم المقيم فإنه مفسدة من حيث اقتضاؤه الانغماس في الشهوات فتسود في الحياة القيم المادية مع ضياع الأخلاق ونسيان اللّه إلا أن يضطرهم اللّه مع النعيم إلى الصلاح فلا يكون ثمة تكليف وترتفع المسؤولية والحساب .
تلك هي نظرية المعتزلة في تبرير وجود الشر لم يفسروه من وجهة النظر الأنطولوجية كما فعل كل من هيرقليطس وسبينوزا ولكنهم على العكس
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار : جزء 13 اللطف ص 103 .
( 2 ) سورة التوبة آية 126 .