تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
« إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ »
على أنه عالم بقدر الرزق الذي عنده يصلحون ، فكأنه تعالى كما بيّن أنه يفعل الرزق بقدر ما ولا يبسطه بسطا يفسدون عنده فإنه نبّه على العلة فيه ، وهو أنه يفعل ذلك لعلمه بأحوالهم وأنهم لا يصلحون إلا على هذه الطريقة فدل ذلك على محكم تدبيره « 1 » فليس وجود الشر والمصائب والأمراض والآلام راجعا إلى غير إرادة اللّه ، وليست هي عدما محضا ، ولا تعود إلى تناهى قدرة اللّه وإنما تعود إلى مصالح المكلفين ، فالخير والشر والنعم والنقم والمنح والمحن كلها تستوى لا من حيث إنها قوانين الطبيعة التي تتحكم في مصير البشر ولا تعبأ بوجودهم أو بنظرتهم وإنما تستوى من حيث صلاحها للإنسان ذاته كما تستوى الرأفة والحزم من الوالد أيهما يصلح لتأديب ولده ، ولو كانت الرأفة تغنى عن الحزم فإن الوالد لا يقدم عليه ، كذلك لو كانت بالنعم دون النقم يصلح الإنسان لقبح من اللّه صدور المصائب والشرور والآلام
« وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ »
« 2 »
« وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ »
« 3 »
« وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . . . »
« 4 » فدلت هذه الآيات وغيرها على أن النعمة بمجانبتهم ما اعتبروه خيرا لهم أعظم من النعمة لو فعلها بهم ، بل لو أن العالم كان خيرا محضا لا شر فيه لكان الناس أمة واحدة في الكفر
« وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ ، وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ »
« 5 » فدل بذلك
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار : المغنى - اللطف جزء 13 ص 193 . ( 2 ) سورة المؤمنون آية 75 . ( 3 ) سورة فصلت آية 51 . ( 4 ) سورة هود آيات 10 و 11 . ( 5 ) سورة الزخرف آيات 33 ، 34 ، 35 .