تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
ثم لا تقبح إذ يقول : من الخطأ القول إن كل ما ينفر الطبع عنه أو تكرهه النفس فهو قبيح ، فإن الألم وإن نفر الطبع منه قد يحسن بل قد يجب كما هو الحال في الحجامة والفصد ، ومن ثم فقد وجب أن يطلب الإنسان الألم إذا لم يكن ضررا محضا بل كان نفعه أكبر من ضرره كما يجب على الوالد الشفيق أن يحسن تأديب ابنه بقطعه عما يشتهى وحرمانه مما يهواه وألا يخلى بينه وبين ضروب الفساد ، فلا يقبح الألم إلا إذا انطوى على الضرر المحض أو جرى مجرى الظلم . ولما كان اللّه لا يفعل القبيح البتة فوجب أن تكون الآلام من قبله خارجة عن أن تكون ظلما ، كذلك يقبح الضرر إذا كان عبثا وذلك على اللّه محال ، والأمراض والأسقام لا تحسن منه تعالى لظن نفع أو دفع مضرة لأنه يستحيل أن يفعل اللّه شيئا على سبيل الظن ، كذلك لا يحسن منه تعالى فعل الألم لدفع ضرر أعظم ، فما ذهب إليه الفلاسفة من وجود الشر القليل من أجل الخير الكثير غير جائز عليه سبحانه ، لأنه كان يقدر أن يفعل الخير المحض الذي لا شر فيه وما ذلك على اللّه بعزيز ، ولأنه إن فعل الضرر اليسير لدفع ما هو أعظم منه ولم يكن عن ذلك محيد فقد نسبوا الإلجاء إلى اللّه . إن اللّه كما كلّف العباد لنفعهم وصلاحهم فكذلك فعل بهم الأمراض والأسقام ، إنه لا يشتبه في أنه يحسن من أحدنا تحمل المشقة الشديدة لطلب العلوم والآداب واكتساب المعايش ، ولا يكون الكد والمشقة من أجل ذلك قبيحا وكذلك لا تقبح الآلام متى كانت لطفا من حيث إن العبد يستحق الثواب بالصبر كما يستحقه بالشكر ، ومن حيث إن العبد يكون بنعم لا مصائب فيها أقرب إلى الفسوق والعصيان
« وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ »
« 1 » فدل على أنه سبحانه ينزل من الرزق بقدر يعدلون عن البغى عنده ودل بقوله :
هامش
( 1 ) سورة الشورى آية 27 .
الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 56 | أحمد محمود صبحي