ولم تكن فلسفة المعتزلة بعيدة عن هذه المشكلة لا باعتبارها مشكلة واجهت جميع الأديان فحسب ، وإنما لأن المعتزلة في دفاعهم عن الإسلام الذي ظهر وسط اعتقادات وأديان تعارضه قد واجهوا من الزنادقة وأهل الديانات الأخرى من أثار لهم مشكلة الشر صراحة وكيفية صدوره من إله عادل حكيم ، يقول ابن الراوندي : إن من أمرض عبيده وأسقمهم فليس بحكيم فيما فعل بهم وإنه ليس بحكيم من أمر بطاعة من يعلم أنه لا يطيعه « 1 » .
ومن ناحية أخرى فإن أهل السنة قد غلبوا جانب الإيمان على جانب الاستدلال إذ وقفوا من المشكلة موقفا سلبيّا فاعترفوا بوجود أنواع الشر :
الميتافيزيقى والطبيعي والخلقي ولم يستبعدوا إرادة اللّه عن وقوعها ولكنهم أرجعوا ذلك لحكمة للّه خافية علينا فوجب التسليم بها « 2 » .
ولكنه موقف لا يقنع أصحاب النظر العقلي ولا يصد هجمات منكري الأديان ولا يقدم للأخلاق أصلا ميتافيزيقيّا راسخا ، وإن كان ذلك قد يرضى إيمان العوام .
أما المعتزلة فلم ينكروا وجود الشر وإن استبعدوا إرادة اللّه للشر الخلقي حسب رأيهم في حرية إرادة الإنسان ، أما سائر الشرور فإنها لا تتنافى مع أصل العدل ، وينقل الخياط رأى المعتزلة في ذلك بصدد الرد على ابن الراوندي الملحد ، وكان هذا الأخير قد نسب إلى معمر نفى نسبة الأمراض والأسقام إلى اللّه ، فيرد عليه الخياط : إن اللّه هو الممرض المسقم لمن أمرضه وأسقمه وإن أحدا لم يمرض نفسه ولم يسقمها وكان - أي معمر - يزعم أن اللّه هو المصيب للنبات والزرع بالمصائب التي تكون من قبله ، فأما
هامش
( 1 ) الخياط : الانتصار ص 55 .
( 2 ) ابن حزم : الفصل في الملل والنحل ج 3 ص 168 ومقالات الإسلاميين للأشعرى ج 1 ص 321 .