والخير على السواء من حيث إنهما من تقييم الإنسان وتلك في اعتباره نظرة ضيقة محدودة لحقيقة ما يجرى في الكون « 1 » .
ومن الفلاسفة من عد الشر عرضيّا جزئيّا واعتبره ضروريّا لوجود الخير ، يقول ابن سينا يدخل الخير في القضاء الإلهى دخولا بالذات لا بالعرض والشر بالعكس وهو على وجوه : شر لمثل النقص الذي هو الجهل والضعف والتشويه في الخلقة ، ويقال شر لمثل الألم والغم ، ويقال شر لمثل الشرك والظلم والرياء ، وبالجملة الشر بالذات هو العدم . . . والشر بالعرض هو المعدم والحابس للكمال عن مستحقه ، الشر بالذات ليس بأمر حاصل . . . ، وأما الشر بالعرض فله وجود ما . . . الشر المطلق لا وجود له أصلا ، أما ما الغالب في وجوده الخير وليس يخلو عن شر والأحرى به أن يوجد لئلا يفوت الخير الكلى فذلك هو الشر الجزئي الذي لو امتنع وجوده لكان في ذلك أعظم خلل في نظام الخير الكلى ، كالنار ، فإن الكون إنما يتم بأمر يكون فيه نار ولن يتصور حصولها إلا على وجه تحرق وتسخن ولم يكن بد من المصادمات الحادثة أن تصادف النار ثوب فقير ناسك فيحترق ، والأمر الدائم والأكثر حصول الخير من النار . . . فما يحسن أن تترك المنافع الأكثرية والدائمة لأعراض شرية قليلة .
ويفسر ابن سينا العاهات والأمراض في ضوء نظريته هذه ويرجعها إلى نقص في استعداد المنفعل تجعله أردأ مزاجا وأعصى جوهرا فتتشوه الخلقة وتنتقص البنية ولا يرجع ذلك إلى حرمان الفاعل « 2 » .
تلك نظرية قد قال بها فلاسفة كثيرون منهم ليبنتز ، ولكنها مع ذلك لا تحل المشكلة تماما وإلا فكيف يكون الشر نقصا من قبل المنفعل دون حرمان من جهة الفاعل ؟ إنها على حد تعبير برجسون تطوع من الفيلسوف للدفاع عن اللّه « 3 » .
هامش
( 1 ) الدكتور فؤاد زكريا : سبينوزا ، ص 285 .
( 2 ) ابن سينا : الإشارات والتنبيهات ج 2 ص 78 وما بعدها .
( 3 ) برجسون : منبعا الأخلاق والدين ص 234 .