أنه قد كان للإخوان اتجاهات صوفية تفصح عنها رسائلهم ، فهم في نزعتهم التلفيقية التي أرادوا أن تستغرق المذاهب كلها قد حددوا الكمال الإنسانى بفضائل موزعة على أصحاب المذاهب فامتدحوا الصوفي السيرة « 1 » ولقد احتقروا الجسد وشهواته كما زهدوا في الحياة الدنيا ، كذلك تنتهى مراتب السلوك عندهم بالفناء في اللّه حيث مفارقة الهيولى والصعود إلى ملكوت السماوات ، والسعادة الأخروية عندهم أرفع وأعز من سعادة الدنيا ، وبالجملة فإنه لولا استخدامهم لمصطلحات الفلسفة دون تعبيرات التصوف فإنهم فيما تعرضوا له من سلوك وأخلاق وربما أبحاثهم في الإلهيات كذلك يقتربون كثيرا من الصوفية في ظاهر أقوالهم .
ولكن هذا الشبه الظاهري بين إخوان الصفا والصوفية لا يجعل الإخوان طريقة من طرق الصوفية ، ولقد عبر عن ذلك جولدتسيهر بقوله إنها حركة دينية فلسفية محاذية للتصوف ولكنها لا تتحد معه « 2 » ويقول في موضع آخر لا يمكن أن يوضع إخوان الصفا بمذهبهم الذي يتجه إلى هدف الكمال الإنسانى في مستوى واحد مع الصوفية « 3 » ولا يوضح جولدتسيهر وجوه الاختلاف بينهما إلا أنهما اتفقا على تحليل الإسلام الإيجابى المأثور وتفتيت مادته ثم اختلفا ففعل إخوان الصفا ذلك عن قصد وأما الصوفية فعن غفلة وسلامة نية ، وذهب عمر الدسوقي إلى رأى مشابه إذ يقول لم يبغ الصوفية من الاستعانة بالنظريات الفلسفية إلا أن توجد دعامة نفسية تبنى عليها الحياة الدينية بينما استخدمتها الإسماعيلية لكي تنفذ إلى صميم الديانة الإسلامية وتعمل على تعديل أحكامها وعقائدها « 4 » .
على أن عنصر القصد لا يكفى للتفرقة بين إخوان الصفا والصوفية
هامش
( 1 ) المرجع السابق ج 4 ص 316 .
( 2 ) جولدتسيهر : مذاهب التفسير الإسلامي ص 208 .
( 3 ) المرجع السابق ص 229 .
( 4 ) عمر الدسوقي . إخوان الصفا ص 148 .