تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
من كل مذهب ولكن كانت تعوزهم دائما العقلية النقدية طالما أنهم يسعون إلى تطهير الشريعة مما علق بها من جهالات وما اختلطت بها من خرافات على حد زعمهم ، ومن ثم فإنهم بدل أن يزنوا الشريعة بميزان العقل لم يفعلوا إلا أن خلطوا الفلسفة والعلم بكثير من الخرافات والأساطير ، ولم يتعد أبو حيان التوحيدي الصواب حين حكم على رسائلهم بأنها من كل فن بلا إشباع ولا كفاية وأنها خرافات وكنايات وتلفيقات وتلزيقات ، ولم تكن تعوزهم الروح النقدية في الفلسفة فحسب وإنما أعوزتهم كذلك النزعة الوضعية في العلم ؛ لقد هبطوا بالفلك إلى مستوى التنجيم كما هبطوا بالعلوم عامة إلى مستوى السحر والخرافة ، ولم تثمر نزعتهم التلفيقية بين مختلف المذاهب والأديان نسقا متسقا وإنما أنتجت مجموعة متنافرة من الآراء الأفلاطونية الحديثة في ثوب إسلامي قد نسج من الفيثاغورية والغنوصية والهرميسية وإذ قد أعوزتهم الروح النقدية في التفلسف والنزعة العقلية في التفكير فإن آراءهم الفلسفية لم تخرج عن حشو الفلسفة على حد تعبير الغزالي « 1 » إنهم على سبيل المثال حين يعالجون مشكلة القضاء والقدر يثبتون أن الإنسان لا يقع منه فعل إلا بما سبق في علم اللّه وقدرته كالمجبرة ثم يتزيدون بذكر أحكام النجوم وتأثيرات أشكال الأفلاك وأثرها في طوالع الإنسان « 2 » ومن أدلة خلود النفس عندهم زيارة الصالحين والأولياء « 3 » . ولكن إذا كان إخوان الصفا قد قصروا في الاتجاه العقلي في التفلسف فهل أصابوا النزعة الذوقية في السلوك ؟ وإذا لم يبلغوا شأن المعتزلة عقلا وفكرا فهل بلغوا منزلة الصوفية طريقا وسلوكا ؟ حقيقة إن دعوتهم السرية قد جعلت علمنا بسيرة أشخاصهم يكتنفه الغموض ويحيطه الإبهام غير
هامش
( 1 ) الغزالي : المنقذ من الضلال هامش الإنسان الكامل ص 14 ( 2 ) رسائل إخوان الصفا : ج 4 ص 36 ( 3 ) المرجع السابق ج 4 ص 101 .