تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
أول الوجبات لتكون داعية ومؤدية إلى أحكام جميع العلوم والمعارف الإلهية والطبيعية والرياضية والعقلية والحسية حتى إذا أحكمت هذه العلوم والمعارف سكنت النفس إلى هذه المعرفة واطمأنت وثبتت ونالت السعادة القصوى التي هي سعادة الآخرة ، إن أحسن حالات النفوس أن تكون عالمة بالأمور الإلهية عارفة بالمعارف الربانية ملتذة بها مسرورة منعمة خالدة « 1 » . ولا يبلغ الإخوان عمق المعتزلة في ميتافيزيقا الأخلاق ، فرسائلهم لم توضع لأغراض كلامية فضلا عن أنهم يأنفون الجدل وينفرون من أسبابه ، فحين يثيرون مشكلة الجبر والاختيار فإنهم يعرضون الرأيين معا ويثبتونهما معا في غير استدلال ولا توفيق ، ولكنهم يلجأون كعادتهم إلى الأمثلة والأقاصيص « 2 » وهم لا يقصدون من ميتافيزيقا الأخلاق إلا أن تكون مدخلا لما يريدون أن يقدموا من اعتقادات وما يطلبون من المريد من سلوك ، وبصدد السلوك مجال الأخلاق يقتربون من التصوف العملي في بعض المقامات والأحوال كالزهد والتوكل والصبر والإخلاص والإيمان ثم ما ينتهى إليه الأخ حين يبلغ أسمى الدرجات من فناء عن الشهوات وتخلص من بحر الهيولى ومن صفاء النفس والقرب من اللّه ، وهم يقتربون من الصوفية في أخلاقهم الجماعية حين يفيضون في ذكر آداب الصحبة ولزوم الصديق ولكنهم يستعيضون عن الشيخ بالإمام أو الرئيس ، وبالرغم من ضرورته للجماعة فإنه في ظل دعوة غامضة لا نكاد نعرف فيها عن طبيعة الجماعة ولا عن شخصية الإخوان شيئا فإن الصلة تكتنفها الأسرار ويحيط بها الغموض . واقتراب إخوان الصفا من المعتزلة حينا ومن الصوفية حينا آخر يدعو إلى التساؤل عن مدى نجاحهم في التلفيق بين الاتجاهين المتباينين ، ولقد أشاروا إلى أنهم لا يعادون علما من العلوم ولا يتعصبون على مذهب من
هامش
( 1 ) المرجع السابق ج 4 ص 51 . ( 2 ) المرجع السابق ج 4 ص 35 - 36 .
الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 304 | أحمد محمود صبحي