ولا تقف الطبيعيات عند مرحلة اكتشاف القوانين ولكنهم رتبوا الموجودات الطبيعية إلى مراتب وجعلوا آخر مرتبة كل جنس متصلة بأول مرتبة ما فوقها من أجناس حتى آخر مرتبة الإنسانية المتصلة بأول مرتبة الملائكة ، فإذا كان الإنسان خيرا عاقلا فهو ملك كريم ، وما تسخير الإنسان لما تحته من كائنات إلا ليكون زينة العالم العلوي بعد حين من الزمان ، فالاتجاه الغائى في البحث في المسائل الطبيعية يكون عادة لأغراض خلقية .
والعلوم الناموسية أو الإلهية أشرف العلوم كلها لأنها تهدف إلى معرفة اللّه وصلاح الإنسان ، وليس لإخوان الصفا في الإلهيات أبحاث ميتافيزيقية محضة ولكنها يمكن أن تعد في جملتها ميتافيزيقا أخلاق ، إنهم يذهبون إلى رأى شبيه برأي المعتزلة في تفسير وجود الإنسان في هذه الحياة الدنيا وهو رأى على ما سبقت الإشارة إليه أخلاقي ، إنه لا يمكن أن يصل الإنسان إلى الآخرة وينعم بالجنات حتى يمكث في الدنيا زمانا ، ولا يقدم الإخوان أدلة فلسفية على ذلك إذ يخاطبون عامة المثقفين ، وإنما يكتفون في ذلك بالتنبيه والتمثيل ، فضرورة الحياة الدنيا كضرورة الجنين في الرحم زمانا من أجل تتميم بقية الجسد وتكميل الصورة ، كذلك الغرض من البقاء في الحياة الدنيا زمانا ما هو إلا لتتميم صورة النفس وتكميل فضائلها ، فإن لم تستكمل النفس فضائلها لم تنتفع في الدار الأخرة بعد الموت على التمام والكمال ، ومن ثم فإنه تجب إرادة الدنيا لطلب الآخرة وصلاح المعاد ، ولا يكون ذلك إلا بالزهد في اللذات وترك الشرور وتأدية الأمانات سرّا وعلانية ومعاملة الناس بالصدق والورع من غير غش ولا دغل ، كل ذلك من أجل صلاح أمر الدنيا والآخرة معا .
هكذا يفسر الإخوان بدء حياة الإنسان والدار الآخرة وما بينهما في ضوء الأخلاق ، وهم يذهبون إلى رأى المعتزلة كذلك في مسألة معرفة اللّه حملة ، إذ هي عندهم تتم طبعا من غير تعلم ولا اكتساب « 1 » ، ومعرفة اللّه
هامش
( 1 ) إخوان الصفا : الرسائل ج 4 ص 29 - 30 .