شئ فيعيش الصوفي في عز وهو في فقر حيث لا يطلب بظاهره ولا بباطنه من أحد شيئا ولا ينتظر من أحد شيئا ولا يشكو ولا يظهر أثر الفاقة « 1 » ، وإنما يظهر الغنى في غير تصنع ، والفقر بدوره يحدد علاقة الصوفي بغيره من الناس إذ لا يتواضع لغنى من أجل غناه وإلا فقد ذهب ثلثا دينه فإن اعتقد فضله بقلبه كما تواضع له بلسانه فقد ذهب دينه كله ، كذلك لا يتعاظم الصوفي على فقير فإن اللّه قد أهلك قوما وإن عملوا لإهانتهم الفقراء وإذلالهم « 2 » .
وفي مقام الصبر لا يجزع الصوفي أمام المصائب ولا يشكو ولكنه يقف مع البلاء بحسن الأدب مع اللّه ويرضى بقضائه ، على أن عدم اعتراض الصوفي على ما جرت عليه المقادير لا يعنى السكوت على المنكر أو المعاصي وذلك لا متعلق له بالصبر .
وبالرغم من أن مقام التوكل يفيد الجبر المحض حيث استسلام الصوفي إلى ما تجرى عليه والمقادير الأحكام فإنه لا يخلو من سمات خلقية من حيث إنه لا يبلغ أحد مقام التوكل حتى يسقط من قلبه كل أثر للطمع فيما في أيدي الناس كذلك ما يقتضيه عندهم إسقاط الأسباب حتى لا يكون متعلقا إلا باللّه .
فإذا بلغ الصوفي مقام الرضا ترك السخط إذ تستوى أمامه النعمة والمصيبة ذلك نهاية مقام التوكل غير أنه لن يبلغه العبد إلا إذا سلا قلبه عن الشهوات « 3 » ، ولا يعنى الرضا أن يرضى الصوفي المعاصي وما فتن به المسلمون لأن الرضا يتعلق بأحكام المقادير لا بشرور الإنسان ومعاصيه .
وإذا كانت مقامات الصوفية وهي مكتسبة بمجاهدتهم أنفسهم تتضمن معاني خلقية فإن الأحوال وهي نوازل تنزل بالقلوب ولا تكون بالاكتساب هي بدورها لا تخلو من معالم خلقية .
هامش
( 1 ) السراج الطوسي : اللمع ص 75 .
( 2 ) القشيري : الرسالة ص 124 ( من عبارة نفاذ النسفي ) .
( 3 ) السراج الطوسي : اللمع 94 .