تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
فإذا علم العبد أن اللّه مطلع على سريرته راقب خواطره المذمومة التي تشغل قلبه فطهر نفسه منها ، وفي حال القرب يعلم أن قربه إلى اللّه يكون بتقربه إليه بالطاعات فيكثر من الخير ، ولا يزال العبد متقلبا بين حالي الرجاء والخوف يرجو بطاعاته رحمة اللّه ورضاه ويخاف بما يقدمه من صالح الأعمال ألا يكون محلصا فلا يكون عند اللّه مرضيا ، فإن احترق الصوفي شوقا إلى اللّه فما احتراقه إلا نارا أشعلها اللّه في قلبه فأحرقت ما فيه من سوء الخواطر والإرادات والعوارض والحاجات ، وهو إن اشتاق إلى اللّه فهو لا بد مسارع إلى الخيرات « 1 » . وهكذا فإن سلوك الصوفي الطريق ينتهى به إلى اكتساب الأخلاق الفاضلة وهذه بدورها تمنح الصوفي الرغبة الزائدة في الاتصال باللّه « 2 » فلا انفصال بين الحياة الروحية والقيم الخلقية في طريق الصوفي إلى اللّه ، ذلك أن الطريق ينتهى به إلى مقام الفناء ، وبالرغم من أنه مقام روحي إذ يستولى على الصوفي سلطان الحقيقة فلا يشهد من الأغيار أثرا ولا عينا فإنه لا يكون فناء حتى تسقط عنه الأفعال الذميمة والأحوال الخسيسة ولا يكون بقاء حتى تظهر عليه الصفات المحمودة « 2 » .

تعقيب :

جعل المعتزلة باعتبارهم عقليين من الأخلاق نظاما فأقاموا نسقا متكاملا من الاعتقاد أو المبادئ الأولى للأخلاق ، ولكنهم واجهوا مشكلة العمل فكانت عقبة لم تتمكن نزعتهم العقلية أن تتغلب عليها ، ذلك أن الفكرة لا تقتضى العمل وليست بالضرورة مؤثرة في الإرادة ملزمة لها ، ولكن كيف يمكن التغاضي عن العمل والأخلاق علم عملي ؟ وأي قيمة للتأمل في القيم الخلقية دون استطاعة التزام الفضيلة وإسكات نزعات الهوى ؟ وكان دور الصوفية بمنهجم الذوقى فجعلوا الأخلاق رياضة وعالجوا مشكلات الإرادة ، وبتلك العاطفة المبدعة التي تغمر النفس بفيض من
هامش
( 1 ) الهروي : منازل السائرين ص 48 - 52 . ( 2 ) القشيري : الرسالة ص 36 - 37 .