الفصل السادس في أن الأخلاق تتخلل المقامات والأحوال
على أنه إذا كان التصوف كله أدب فإنه يلزم أن نفرد لأدب القوم في أحوالهم ومقاماتهم فصلا خاصّا حتى تتبين المعاني الخلقية في الطريق الصوفي كما تبنيت في فهمهم لفرائض الدين .
فالصوفى بعد أن يخلى القلب مما ران عليه من الذنوب والآثام في مقام التوبة يظل على حذر من الشبهات إن رابه شئ تركه ، بل إنه قد يدع سبعين بابا من الحلال مخافة أن يقع في باب منها يكون فيه الحرام ، ذلك هو مقام الورع حيث الخروج من كل شبهة ومحاسبة النفس في كل طرفة « 1 » . وليس ورع الصوفي فيما بينه وبين نفسه فحسب ولكن ورعه كذلك في التبري من مظالم الخلق حتى لا يكون لأحد قبله مظلمة ولا دعوى ولا طلب « 2 » .
ومقام الزهد أول قدم القاصدين إلى اللّه فمن لم يحكم أساسه بالزهد لا يصح له شئ بعده ، وليس الزهد في مجرد خلو القلب عما خلت منه البطن ، فلا يتعلق قلبه بشئ من أمور الدنيا لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة ومن ثم فإن الزهد علاقة الصوفي بمتع الحياة وشهوات النفس فحسب ولكنه يحدد علاقته بالناس إذ من أسسه إيثار الغير عليه عند الحاجة لقول اللّه :
« وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
« 3 » » .
فإن تخطى الصوفي مقام الزهد وصل إلى مقام الفقر وهو عند القوم شعار الأولياء ، فما من فضيلة عندهم تكفر السيئات وتعظم الحسنات وترفع الدرجات كالفقر ، وهو عندهم لا يعنى أن يملك المريد شيئا وإنما أن لا يملكه
هامش
( 1 ) القشيري : الرسالة - ص 54 ( عبارة يونس بن عبيد ) .
( 2 ) السراج الطوسي : اللمع ص 50
( 3 ) سورة الحشر : آية 9 .